ثم تأتي الذكرى العملية في كل صغيرة وكبيرة في المأكل باليمين، لأنه السنة، وفي الملبس في التيامن لأنه السنة، وفي المضجع على الشق الأيمن لأنه السنة، وفي إفشاء السلام وفي كل حركات العبد وسكناته إذا راعى فيها أنها السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن كان المراد التعبير عن المحبة، والمحبة هي عنوان الإيمان الحقيقي، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين ".
فإن حقيقة المحبة طاعة من تحب، وفعل ما يحبه وترك ما لا يرضاه أو لا يحبه، ومن هذا يمكن أن يقال: إن ما يلابس عمل المولد من لهو ولعب واختلاط غير مشروع، وأعمال في أشكال لا أصل لها يجب تركه وتنزيه التعبير عن محبته صلى الله عليه وسلم عما لا يرضاه صلى الله عليه وسلم.
وقد كان صلى الله عليه وسلم هذا اليوم بالصوم، وإن كان المراد مقابلة فكرة بفكرة. فالواقع أنه لا مناسبة بين السببين ولا موجب للربط بين الجانبين لبعد ما بينهما، كبعد الحق عن الباطل والظلمة عن النور.
ومع ذلك، فإن كان ولا بد فلا موجب للتقييد بزمن معين بل العام كله لإقامة الدراسات في السيرة وتعريف المسلمين الناشئة منهم والعوام وغيرهم بما تريده من دراسة للسيرة النبوية.
وختاما فبدلا من الموقف السلبي عند التشديد في النكير أن يكون عملا إيجابيا في حكمة وتوجيه لما هو أولى بحسب المستطاع، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، وبالله تعالى التوفيق:
ومن المناسبات ليلة القدر لبدء نزول القرآن فيها لقوله تعالى:
إنا أنزلناه في ليلة القدر
[القدر: 1] ثم بين تعالى مقدارها بقوله:
ليلة القدر خير من ألف شهر
[القدر: 3] وبين خواصها بقوله:
تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر
[القدر: 4-5].
الحفاوة بها
لقد بين صلى الله عليه وسلم بقوله:
" التمسوها في العشر الأواخر، وفي الوتر من العشر الأواخر "
، وكان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر كلها التماسا لتلك الليلة، فكان يحييها قائما في معتكفه، كما جاء في الحديث
" وإذا جاء العشر شد مئزره وطوى فراشه وأيقظ أهله "
فلم يكن يمرح ولا يلعب ولا حتى نوم بل اجتهاد في العبادة.
وكذلك شهر رمضان بكامله لكونه أنزل فيه القرآن أيضا، كام تقدمت الإشارة إليه، فكان تكريمه بصوم نهاره وقيام ليلة لا بالملاهي واللعب والحفلات، كما له بعض صار يعد الناس وسائل ترفيه خاصة، فيعكس فيه القصد ويخالف المشروع.
ومن المناسبات يوم عاشوراء، لقد كان له تاريخ قديم وكانت العرب تعظمه في الجاهلية وتكسو فيه الكعبة،
" ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومونه فقال لهم: " لم تصومونه "؟ فقالوا: يوما نجى الله فيه موسى من فرعون فصامه شكرا لله فصمناه. فقال صلى الله عليه وسلم: " نحن أحق بموسى منكم " فصامه وأمر الناس بصيامه "
إنها مناسبة عظمى نجاة نبي الله موسى من عدو الله فرعون، نصرة الحق على الباطل، ونصر جند الله وإهلاك جند الشيطان.
وهذا بحق مناسبة يهتم لها كل مسلم. ولذا قال صلى الله عليه وسلم
" نحن أحق بموسى منكم "
نحن معشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد ".
وقد كان صيامه فرضا حتى نسخ بفرض رمضان، وهكذا مع عظم مناسبته من إعلاء كلمة الله ونصرة رسوله، كان ابتهاج موسى عليه السلام به في صيامه شكرا لله.
وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الطريق السليم والسنة النبوية الكريمة لا ما يحدثه بعض العوام والجهال من مظاهر وأحداث لا أصل لها، ثم يأتي العمل الأعم والمناسبات المتعددة في مناسك الحج منها الهرولة في الطواف، لقد كانت عن مؤامرة قريش في عزمها على الغدر بالمسلمين في عمرة القضية فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يظهروا النشاط في الطواف، وذلك حينما جاء الشيطان لقريش وقال لهم: