76.3
الهداية هنا بمعنى البيان، كما في قوله تعالى:
وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى
[فصلت: 17].
والسبيل الطريق السوي، وفيه بيان انقسام الإنسان إلى قسمين: شاكر معترف بنعمة الله تعالى عليه، مقابل لها بالشكر أو كافر جاحد.
وقوله: ﴿ إما شاكرا ﴾ ، يشير إلى إنعام الله تعالى على العبد، وقد ذكر تعالى نعمتين عظيمتين:
الأولى: إيجاد الإنسان من العدم بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، وهذه نعمة عظمى لا كسب للعبد فيها.
والثانية: الهداية بالبيان والإرشاد إلى سبيل الحق والسعادة، وهذه نعمة إرسال الرسل وإنزال الكتب ولا كسب للعبد فيها أيضا:
وقد قال العلماء: هناك ثلاث نعم لا كسب للعبد فيها.
الأولى: وجوده بعد العدم.
الثانية: نعمة الإيمان.
الثالثة: دخول الجنة.
وقالوا: الإيجاد من العدم، تفضل من الله تعالى كما قال:
لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير
[الشورى: 49-50]، ومن جعله الله عقيما فلن ينجب قط.
والثانية: الإنعام بالإيمان، كما في قوله تعالى:
إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء
[القصص: 56].
وقد جاء في الحديث:
" كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه "
الحديث.
وكون المولود يولد بين أبوين مسلمين، لا كسب له في ذلك.
والثالث، الإنعام بدخول الدجنة كما في الحديث:
" لن يدخل أحدكم الجنة بعلمه. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ".
وقد ذكر تعالى نعمتين صراحة، وهما خلق الإنسان بعد العدم، وهدايته السبيل.
والثالث: تأتي ضمنا في ذكر النتيجة
إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا
[الإنسان: 5] لأن الأبرار هم الشاكرون بدليل التقسيم
شاكرا وإما كفورا إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا
[الإنسان: 3-5].
وقوله تعالى: ﴿ إنا هديناه السبيل ﴾ تقدم أنها هداية بيان.
وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيان الهداية العامة والخاصة. والجمع بينهما في أكثر من موضع، وفي مستهل هذه السورة بيان لمبدأ الإنسان وموقفه من بعثة الرسل وهدايتهم ونتائج أعمالهم من شكر أو كفر.
وقد جاءت السنة بقراءة هذه السورة في الركعة الثانية من فجر يوم الجمعة، مع قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن قراءتهما معا في ذلك اليوم لمناسبة خلق آدم في يوم الجمعة ليتذكر الإنسان في هذا اليوم، وهو يوم الجمعة مبدأ خلق أبيه آدم ومبدأ خلق عموم الإنسان ويتذكر مصيره ومنتهاه ليرى ما هو عليه من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل هو شاكر أو كفور اه.
ملخصا.
ومضمون ذلك كله أنه رحمه الله يرى أن الحكمة في قراءة السورتين في فجر الجمعة، أن يوم الجمعة هو يوم آدم عليه السلام فيه خلق، وفيه نفخ فيه الروح، وفيه أسكن الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه ثبيت عليه، وفيه تقوم الساعة.
كما قيل: يوم الجمعة يوم آدم ويوم الاثنين يوم محمد صلى الله عليه وسلم، أي فيه ولد وفيه أنزل عليه، وفيه وصل المدينة في الهجرة، وفيه توفي.
ولما كان يوم الجمعة يوم إيجاد الإنسان الأول ويوم أحداثه كلها إيجادا من العدم وإنعاما عليه بسكنى الجنة وتواجده على الأرض، وتلقى التوبة عليه من الله أي يوم الإنعام عليه حسا ومعنى، فناسب أن يذكر الإمام بقراءته سورة السجدة في فجر يوم الجمعة لما فيها من قصة خلق آدم في قوله:
الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه
[السجدة: 7-9].
وفيها قوله تعالى:
ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين