تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[السجدة: 13] مما يبث الخوف في قلوب العباد، إذ لا يعلم من أي الفريقين هو، فيجعله أشد حرصا على فعل الخير، وأشد خوفا من الشر.

ثم حذر من نسيان يوم القيامة

فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ

[السجدة: 14].

وهكذا في الركعة الأولى، يرجع المسلم إلى أصل وجوده ويستحضر قصة الإنسان الأول.

وكذلك يأتي في الركعة الثاني بقصته هو منذ بدأ خلقه ﴿ من نطفة أمشاج ﴾ ويذكره بالهدى الذي أنزل عليه ويرغبه في شكرانه عليه ويحذره من جحودها وكفرانها.

وقد بين له منتهاه على كلا الأمرين

إنآ أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا

[الإنسان: 4-5].

فإذا قرع سمعه ذلك في يوم خلقه ويوم مبعثه حيث فيه تقوم الساعة فكأنه ينظر ويشاهد أول وجوده وآخر مآله فلا يكذب بالبعث. وقد علم مبدأ خلقه ولا يقصر في واجب، وقد علم منتهاه، وهذا في غاية الحكمة كما ترى.

ومما يشهد لما ذهب إليه رحمه الله، اعتبار المناسبات كما في كثير من الأمور، كما في قوله تعالى:

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه

[البقرة: 185] فجميع الشهور من حيث الزمن سواء، ولكن بمناسبة بدء نزول القرآن في هذا الشهر جعله الله محلا للصوم، وأكرم فيه الأمة كلها بل العالم كله، فتتزين فيه الجنة وصفد فيه مردة الشياطين، وتتضاعف فيه الأعمال.

وكذلك الليلة منه التي كان فيها البدء اختصها تعالى عن بقية ليالي الشهر، وهي ليلة القدر جعلها الله تعالى خيرا من ألف شهر، وما ذاك إلا لأنها كما قال تعالى:

إنآ أنزلناه في ليلة القدر

[القدر: 1] السورة بتمامها.

مسألة

لقد أكثر الناس القول في اعتبار المناسبات في الإسلام وعدم اعتبارها، ووقع فيها الإفراط والتفريط، وكما قيل:

كلا طرفي قصد الأمور ذميم

ومنطلقا من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تقدم هذه النبذة في هذه المسألة، وهي أنه بالتأمل في الشرع وأحداث الإسلام عامة وخاصة.

أي في عموم الأمم وخصوص هذه الأمة، نجد المناسبات قسمين مناسبة معتبرة عني بها الشرع لما فيها من عظة وذكرى تتجدد مع تجدد الأيام والأجيال، وتعود على الفرد والجماعة بالتزود منها، ومناسبة لم تعتبر، إما لاقتصارها في ذاتها وعدم استطاعة الأفراد مسايرتها.

فمن الأول يوم الجمعة، وتقدم طرف من خصائص هذا اليوم في سورة الجمعة، وكلام شيخ الإسلام رحمه الله، وقد عني بها الإسلام في الحث على القراءة المنوه عنها في صلاة الفجر، وفي الحث على أدائها والحفاوة بها من اغتسال وطيب وتبكير إليها، كما تقدم في سورة الجمعة.

ولكن من غير غلو ولا إفراط، فقد جاء النهي عن صوم يومها وحده، دون أن يسبق. بصوم قبله، أو يلحق بصوم بعده كما نهى عن إفراد ليلتها بقيام، والنصوص في ذلك متضافرة ثابتة، فكانت مناسبة معتبرة مع اعتدال وتوجه إلى الله أي بدون إفراط أو تفريط.

ومنها يوم الاثنين كما أسلفنا، فقد جاء

" عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن صيامه يوم الاثنين فقال: " هذا يوم ولدت فيه وعلي فيه أنزل "

، وكان يوم وصوله المدينة في الهجرة وكان يوم وفاته صلى الله عليه وسلم، فقد احتفى به صلى الله عليه وسلم للمسببات المذكورة، وكلها أحداث عظام ومناسبات جليلة.

فيوم مولده صلى الله عليه وسلم وقعت مظاهر كونية ابتداء من واقعة أبرهة، وإهلاك جيشه إرهاصا بولده صلى الله عليه وسلم، ثم ظهور نجم بني الختان، وحدثت أمه وهي حامل به فيما قيل: إنها أتيت حين حملت به صلى الله عليه وسلم فقيل لها: " إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي:

أعيذه بالواحد

من شر كل حاسد

ثم سميه محمدا " ، وذكر ابن هشام أنها رأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٤١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٤١٩