تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جاء في الأحاديث القدسية ما يستأنس به في ذلك فيما رواه البيهقي والحاكم، عن معاذ والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرجاء ما نصه:

" إني والجن والإنس في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري " وفيه " خيري إلى العباد نازل وشرهم إلى صاعد، أتحبب إليهم بالنعم ويتبغضون إلي بالمعاصي "

كما أن تقديمه يؤكد بأنه هو السبب في العداوة بين المؤمنين والكافرين، وما كان سببا فحقه التقديم.

ويدل على ما ذكرنا من أنه الأصل، أن الكفار لو آمنوا بالله وانتفت عداوتهم لله لأصبحوا إخوانا للمؤمنين وانتفت العداوة بينهما، وكذا كونه مغيا بغاية في قوله تعالى:

فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل الله

[النساء: 89].

ومثله قوله تعالى في قوم إبراهيم:

وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده

[الممتحنة: 4] فإذا هاجر المشركون وآمن الكافرون، انتفت العداوة وجاءت الموالاة.

ومما قدمنا من أن سبب النهي عن موالاة الأعداء، هو الكفر يعلم أنه إذا وجدت عداوة لا لسبب الكفر فلا ينهى عن تلك الموالاة لتخلف العلة الأساسية، كما جاء في قوله تعالى:

إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم

[التغابن: 14]، ثم قال تعالى:

وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم

[التغابن: 14].

فلما تخلف السبب الأساسي في النهي عن موالاة العدو الذي هو الكفر، جاء الحث على العفو والصفح والغفران، لأن هذه العداوة لسبب آخر هو ما بينه قوله تعالى:

إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة

[التغابن: 15]. فكان مقتضاها فقط الحذر من أن يفتنوه، وكان مقتضى الزوجية حسن العشرة، كما هو معلوم. وسيأتي زيادة إيضاح لهذه المسألة عند هذه الآية، إن شاء الله تعالى.

وقد نص صراحة على عدم النهي المذكور في خصوص من لم يعادوهم في الدين في قوله تعالى:

لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم

[الممتحنة: 8] الآية.

وللموالاة أحكام عامة وخاصة، وقد بحثها الشيخ رحمة الله تعالى عليه في عدة مواضع من الأضواء.

منها في الجزء الثاني عند قوله تعالى:

ومن يتولهم منكم فإنه منهم

[المائدة: 51] وقد أطال البحث فيها.

ومنها في الجزء الثالث عرضا ضمن قوله تعالى:

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

[الإسراء: 9] وبين روابط العالم الإسلامي بتوسع.

ومنها في الجزء الرابع عند قوله تعالى:

أفتتخذونه وذريته أوليآء

[الكهف: 50] الآية.

ومنها في مخطوط السابع عند قوله تعالى:

وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم

[محمد: 13] وأحال فيها على آية الممتحنة هذه.

ومنها أيضا عند قوله تعالى:

ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر

[محمد: 26]، وأحال عندها على مواضع متقدمة من سورة الشورى وبني إسرائيل.

ومنها في سورة المجادلة على قوله تعالى:

ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم

[المجادلة: 14].

وفيما كتبه رحمة الله تعالى عليه، بيان لكل جوانب أحكام هذه الآية، غير أني لم أجده رحمة الله تعالى عليه تعرض لما في هذه السورة من خصوص التخصيص للآية بقوله تعالى:

لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم

[الممتحنة: 8] الآية.

ولم أسمع منه رحمة الله تعالى عليه فيها شيئا مع أنها نص في تخصيص العموم من هذه الآية، وسيأتي لها بيان لذلك عندها إن شاء الله.

تنبيه

رد أهل السنة بهذه الآية وأمثالها على المعتزلة قولهم: إن المعصية تنافي الإيمان، لأن الله ناداهم بوصف الإيمان مع قوله: ﴿ ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل ﴾ فلم يخرجهم بضلالهم عن عموم إيمانهم، ويشهد لهذا أن الضلال هنا عن سواء السبيل لا مطلق السبيل.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٤٣