60.2
يثقفوكم: أي يدركوكم، وأصل الثقف الحذق في إدراك الشيء وفعله، والرمح المثقف المقوم.
قال الراغب: ثم يتجوز به فيستعمل في الإدراك وإن لم تكن معه ثقافة، قال تعالى:
واقتلوهم حيث ثقفتموهم
[البقرة: 191]، وقال
فإما تثقفنهم في الحرب
[الأنفال: 57] اه.
فهذه نصوص القرآن في أن الثقافة بمعنى الإدراك، وقوله تعالى ﴿ واقتلوهم حيث ثقفتموهم ﴾ الآية، نص على أن العداوة وبسط اليد واللسان بالسوء، يكون بعد أن يثقفوهم مع أنه العداء سابق بإخراجهم إياهم من ديارهم، فيكون هذا من باب التهييج وشدة التحذير، وأن الذي يكون بعد الشرط هو بسط الأيدي بالسوء لأنهم الآن لا يقدرون عليهم بسبب الهجرة، ومن أدلة القرآن على وجود العداوة بالفعل لدى عموم من دون المؤمنين في قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر
[آل عمران: 118] فقوله: من دونكم يشمل المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، وقوله ﴿ ودوا ما عنتم ﴾ أي في الحاضر، وقوله: ﴿ قد بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ لم يتوقف على الشرط المذكور في إن يثقفوكم، فهم أعداء، وقد بدت منهم البغضاء قولا وفعلا.
وعلى هذا تكون الآية إعلان المقاطعة بين المؤمنين، ومن دونهم وقوله: وودوا لو تكفرون، قد بين تعالى سبب ذلك بأنه الحسد كما في قوله تعالى:
ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق
[البقرة: 109].
وقال تعالى:
فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا
[النساء: 88] إلى قوله
ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء
[النساء: 89].