تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60.4

قوله تعالى: ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ الآية.

الأسوة كالقدوة، وهي اتباع الغير على الحالة التي يكون عليها حسنة أو قبيحة، ولذا قال تعالى:

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

[الأحزاب: 21] وهنا أيضا: ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ﴾.

وقد بين تعالى هذا التأسي المطلوب، وذلك بقوله: ﴿ إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله ﴾ الآية.

فالتأسي هنا في ثلاثة أمور. أولا: التبرؤ منهم ومما يعبدون من دون الله ثانيا: الكفر بهم.

ثالثا: إبداء العداوة والبغضاء وإعلانها وإظهارها أبدا إلى الغاية المذكورة حتى يؤمنوا بالله وحده، وهذا غاية في القطيعة بينهم وبين قومهم، وزيادة عليهم إبداء العداوة والبغضاء أبدا، والسبب في ذلك هو الكفر، فإذا آمنوا بالله وحده انتفى كل ذلك بينهم.

وهنا سؤال، هو موضع الأسوة إبراهيم والذين معه بدليل العطف بينهما.

وقوله تعالى: ﴿ في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ﴾ فقائل القول لقومهم إبراهيم والذين مع إبراهيم، وهذا محل التأسي بهم فيما قالوه لقومهم.

وقوله تعالى: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ فهذا القول من إبراهيم ليس موضع التأسي، وموضع التأسي المطلوب في إبراهيم عليه السلام هو ما قاله مع قومه المتقدم جملة، وما فصله تعالى في موضع آخر في قوله تعالى:

وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين

[الزخرف: 26-27] وهذا التبرؤ جعله باقيا في عقبه، كما قال تعالى:

وجعلها كلمة باقية في عقبه

[الزخرف: 28].

وقوله تعالى: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ الآية. لم يبين هنا سبب هذا الاستثناء وهل هو خاص بإبراهيم لأبيه أم لماذا؟

وقد بينه تعالى في موضع آخر في قوله تعالى:

وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم

[التوبة: 114] تلك الموعدة التي كانت له عليه في بادئ دعوته حينما قال له أبوه

أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا

[مريم: 46-47] فكان قد وعده ووفى بعهده، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، فكان محل التأسي في إبراهيم في هذه التبرؤ من أبيه، لما تبين له أنه عدو لله.

وقد جاء ما يدل على أنها قضية عامة وليست خاصة في إبراهيم عليه السلام كما في قوله تعالى:

ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم

[التوبة: 113] وفي هذه الآية وما قبلها أقوى دليل على أن دين الإسلام ليست فيه تبعية أحد لأحد، بل كل نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.

ومن عجب أن يأتي نظير موقف إبراهيم من أبيه مواقف مماثلة في أمم متعددة، منها موقف نوح عليه السلام من ابنه لما قال

رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين

[هود: 45] فلما تبين له أمره أيضا من قوله تعالى:

ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح

[هود: 46] الآية

قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم

[هود: 47] الآية. فكان موقف نوح من ولده كموقف إبراهيم من أبيه.

ومنها موقف نوح ولوط من أزواجهما في قوله تعالى:

ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا

[التحريم: 10] الآية.

ومنها موقف زوجة فرعون من فرعون في قوله تعالى:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٤٦