تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والملك الذي لا يعلم ولم يتقدس عن النقص لا هيمنة له على ملكه.

فإذا اجتمع كل ذلك وتلك الصفات: العلم والملك والتقديس والهيمنة، حصل الكمال والجلال، ولا يكون ذلك إلا لله وحده العزيز الجبار المتكبر، ولا يشركه أحد في شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى.

وهنا، في نهاية هذا السياق يقف المؤمن وقفة إجلال وتعظيم لله.

فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد.

والبارئ الموجد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، وليس كل من قدر شيئا أوجده إلا الله.

والمصور المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، ولم يفرد كل فرد من موجوداته على صورة تختص به إلا الله سبحانه وتعالى، كما هو موجود في خلق الله للإنسان والحيوان والنبات كل في صورة تخصه.

وبالرجوع مرة أخرى إلى أول السياق، فإن الخلق والتقدير لا بد أن يكون بموجب العلم سواء كان في الحاضر المشاهد أو للمستقبل الغائب، وهذا لا يكون إلا لله وحده عالم الغيب والشهادة، فكان تقديره بموجب علمه والملك القدوس القادر على التصرف في ملكه يوجد ما يقدره.

والمهيمن: يسير ما يوجد على مقتضى ما يقدره.

والذي قدر فهدى، العزيز الذي لا يقهر الجبال الذي يقهر كل شيء لإرادته، وتقديره، ويخضعه لهيمنته.

المتكبر الذي لا يتطاول لكبريائه مخلوق، وأكبر من أن يشاركه غيره في صفاته، تكبر عن أن يماثله غيره أو يشاركه أحد فيما اختص به سبحان الله عما يشركون.

وفي نهاية السياق إقامة البرهان الملزم وانتزاع الاعتراف والتسليم، ﴿ هو الله الخالق البارىء المصور ﴾ [الحشر: 24] وهو أعظم دليل كما تقدم، وهو كما قال: دليل الإلزام، لأن الخلق لا بد لهم من خالق، وهذه قضية منطقية مسلمة، وهي أن كل موجود لا بد له من موجد، وقد ألزمهم في قوله تعالى:

أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون

[الطور: 35]، وهذا بالسير، والتقسيم أن يقال: إما خلقوا من غير شيء خلقهم أي من العدم، ومعلوم أن العدم لا يخلق شيئا لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والعدم ليس أمرا وجوديا حتى يمكن له أن يوجد موجودا.

أم هم الخالقون؟

وهم أيضا يعلمون من أنفسهم أنهم لم يخلقوا أنفسهم، فيبقى المخلوق لا بد له من خالق، وهو الله تعالى: الخالق البارئ.

ولو قيل من جانب المنكر: إن ما نشاهده من وجود الموجود كالإنسان والحيوان والنبات يتوقف وجوده على أسباب نشاهدها، كالأبوين للحيوان وكالحرث والسقي للنبات إلخ، فجاء قوله تعالى: ﴿ المصور ﴾ ، فهل الأبوان يملكان تصوير الجنين من جنس الذكورة أوالأنوثة أو من جنس اللون والطول والقصر والشبه؟

الجواب: لا وكلا، بل ذلك لله وحده، هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، كما قال تعالى:

لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير

[الشورى: 49-50].

وكذلك في النبات، توضع الحبة وتسقى بالماء، فالتربة واحدة، والماء واحد، فمن الذي يصور شكل النبات هذا نجم على وجه الأرض، وذاك نبت على ساق، وهذا كرم على عرش، وذاك نخل باسقات، فإذا طلعت الثمرة في أول طورها فمن الذي يصورها في شكلها، من استداردتها أو استطالتها أو غير ذلك، وإذا تطورت إلى النضج فمن الذي صورها في لونها الأحمر أو الأصفر أو الأسود أو الأخضر أو الأبيض؟ هل هي التربة أو الماء أو هما معا، لا وكلا.

إنه هو الله الخالق البارئ المصور، سبحانه له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض طوعا وكرها.

وهنا عود على بدء يختم السورة بما بدأت به مع بيان موجباته واستحقاقه، وآيات وحدانيته، سبحانه لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٤١