تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

57.15

قوله تعالى: ﴿ فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ﴾.

قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى:

فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به

[آل عمران: 91] وفي غير ذلك من المواضع.

57.16

قد قدمنا مرارا أن كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بلم، إذا تقدمتها همزة الاستفهام كما هنا فيه وجهان من التفسير معروفان.

الأول منهما: هو أن تقلب مضارعته ماضوية، ونفيه إثباتا، فيكون بمعنى الماضي المثبت، لأن لم حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي، وهمزة الاستفهام إنكارية فيها معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في لم فينفيه. ونفي النفي إثبات، فيرجع المعنى إلى الماضي المثبت. وعليه فالمعنى: ﴿ ألم يأذن للذين ﴾: أي آن للذين آمنوا.

والوجه الثاني: أن الاستفهام في جميع ذلك للتقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول: بلى، وقوله: يأن: هو مضارع أنى يأنى إذا جاء إناه أي وقته، ومنه قول كعب بن مالك رضي الله عنه:

ولقد أنى لك أن تناهي طائعا

أو تستفيق إذا نهاك المرشد

فقوله: أنى لك أن تناهى طائعا، أي جاء الإناه الذي هو الوقت الذي تتناهى فيه طائعا، أي حضر وقت تناهيك، ويقال في العربية: آن يئين كباع يبيع، وأنى يأني كرمى يرمي، وقد جمع اللغتين قول الشاعر:

ألما يئن لي أن تجلى عمايتي

وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا

والمعنى على كلا القولين أنه حان للمؤمنين، وأنى لهم أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي جاء الحين والأوان لذلك، لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه.

وقوله تعالى: ﴿ أن تخشع قلوبهم ﴾ المصدر المنسبك من أن وصلتها في محل رفع فاعل بأن، والخشوع أصله في اللغة السكون والطمأنينة والانخفاض، ومنه قول نابغة ذبيان:

رماد ككحل العين لأيا أبينه

ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع

فقوله: خاشع أي منخفض مطمئن، والخشوع في الشرع خشية من الله تداخل القلوب، فتظهر آثارها على الجوارح بالانخفاض والسكون، كما هو شأن الخائف.

وقوله: ﴿ لذكر الله ﴾ ، الأظهر منه أن المراد خشوع قلوبهم لأجل ذكر الله، وهذا المعنى دل عليه قوله تعالى:

إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم

[الانفال: 2] أي خافت عند ذكر الله، فالوجل المذكور في آية الأنفال هذه، والخشية المذكورة هنا معناهما واحد.

وقال بعض العلماء: المراد بذكر الله القرآن، وعليه فقوله: ﴿ وما نزل من الحق ﴾ من عطف الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظين، كقوله تعالى:

سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى

[الأعلى: 1-3]، كما أوضحناه مرارا.

وعلى هذا القول، فالآية كقوله تعالى:

الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله

[الزمر: 23]، فالاقشعرار المذكور، ولين الجلود والقلوب عند سماع هذا القرآن العظيم المعبرعنه بأحسن الحديث، يفسر معنى الخشوع لذكر الله، وما نزل من الحق هنا كما ذكر، وقوله تعالى: ﴿ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ﴾ قد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله:

ثم قست قلوبكم

[البقرة: 74] بعض أسباب قسوة قلوبهم، فذكرنا منها طول الأمد المذكور هنا في آية الحديد هذه، وغير ذلك في بعض الآيات الأخر.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كثرة الفاسقين، من أهل الكتاب جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى

ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون

[آل عمران: 110] وقوله تعالى:

فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون

[الحديد: 27] إلى غير ذلك من الآيات.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٨٩