وعلمناه من لدنا علما
[الكهف: 65].
ثم قال عليه الرحمة: فإذا أراد الله بعبد خيرا رفع الحجاب بين نفسه وبين النفس الكلي الذي هو اللوح. فيظهر فيها أسرار بعض المكونات. وينتقش فيها معاني تلك المكونات. فيغبر النفس عنها كما يشاء إلى من يشاء من عباده.
وحقيقة الحكمة تنال من العلم اللدني. وما لم تبلغ النفس هذه الرتبة لا يكون حكيما؛ لأن الحكمة من مواهب الله تعالى:
يؤتي الحكمة من يشآء
[البقرة: 269]، من عباده
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب
[البقرة: 269] وهم الواصلون مرتبة العلم اللدني، المستغنون عن كثيرة التحصيل وتعب التعلم. فيتعلمون قليلا ويعلمون كثيرا، ويتعبون يسيرا ويستريحون طويلا.
ثم قال عليه الرحمة: اعلم أن العلم اللدني هو سريان نور الإلهام. والإلهام يكون بعد التسوية. كما قال تعالى:
ونفس وما سواها
[الشمس: 7] والتسوية تصحيح النفس والرجوع إلى فطرتها. وهذا الرجوع يكون على ثلاثة أوجه: أحدها: تحصيل جميع العلوم وأخذ الحظ الأوفر من أكثرها. والثاني: الرياضة الصادقة والمراقبة الصحيحة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذه الحقيقة فقال:
" من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم "
والثالث: التفكر. فإن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم والعمل، ثم أخذت تتفكر بمعلوماتها بشرط التفكر، ينفتح عليه باب الغيب. كالتاجر الذي يتصرف في ماله بشرط التجارة، ينفتح عليه أبواب الربح وإذا سلك طريق الخطأ يقع في مهالك الخسران. فالمتفكر إذا سلك سبيل الصواب يصير من ذوي الألباب، وتنفتح روزنة من عالم الغيب في قلبه فيصير عالما كاملا عاقلا ملهما مؤيدا. كما قال صلى الله عليه وسلم:
" تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة "
انتهى ملخصا.
وفي خلال كلامه عليه الرحمة، جمل من إشارات الصوفية وعباراتهم. ولا يأباها العقل السليم ولا قواعد العلم الظاهر؛ لأنها في هذه المثابة بدرجة الاعتدال والتوسط، كذلك كان مشربه قدس الله سره. وقوله تعالى: ﴿ ويسألونك... ﴾.