تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قال قدس سره: والطريق الثاني: وهو التعليم الرباني؛ وذلك على وجهين: إلقاء الوحي: وهو النفس إذا كملت بذاتها تزول عنها دنس الطبيعة ودرن الحرص والأمل. وينفصل نظرها عن شهوات الدنيا وينقطع نسبها عن الأماني الفانية وتقبل بوجهها على بارئها ومنشئها.

وتتمسك بجود مبدعها. وتعتمد على إفادته وفيض نوره، فالله تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا كليا، وينظر إليها نظرا إلهيا، ويتخذ منها لوحا، ومن النفس الكلي قلما وينقش فيها علومه. ويصير العقل الكلي كالمعلم والنفس القدسي كالمتعلم. فتحصل جميع العلوم لتلك النفس وتنتقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر. ومصداق هذا قول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم:

وعلمك ما لم تكن تعلم

[النساء: 113] فعلم الأنبياء أشرف مرتبة من جميع علوم الخلائق. لأن محصوله عن الله تعالى بلا واسطة ووسيلة. وبيان هذه الكلمة يوجد في قصة آدم والملائكة عليهم الصلاة والسلام. فإنهم طول عمرهم حصلوا بفنون الطرق كثير العلوم. حتى صاروا أعلم المخلوقين وأعرف الموجودات. وآدم لما جاء ما كان عالما؛ لأنه ما تعلم ولا رأى معلما. فتفاخرت الملائكة عليه وتجبروا وتكبروا وقالوا:

ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك

[البقرة: 30] ونعلم حقائق الأشياء. فرجع آدم إلى باب خالقه وأخرج قلبه عن جملة المكونات، وأقبل بالاستعانة على الرب تعالى، فعلمه الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال:

أنبئوني بأسمآء هؤلاء

[البقرة: 31] أو صغر حالهم عند آدم وقل علمهم وانكسرت سفينة جبروتهم، فغرقوا في بحر العجز:

قالوا سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ

[البقرة: 32] فقال تعالى:

يآءادم أنبئهم بأسمآئهم

[البقرة: 33] فأنبأهم آدم عن مكنونات العلم ومستترات الأمر. فتقرر الأمر عند العقلاء؛ أن العلم الغيبي المتولد عن الوحي، أقوى وأكمل من العلوم المكتسبة. صار علم الوحي إرث الأنبياء وحق الرسل، حتى أغلق الله باب الوحي في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فكان رسول الله خاتم النبيين، وكان أعلم الناس وأفصح العرب والعجم، وكان يقول:

" أدبني ربي فأحسن تأديبي "

وقال لقومه:

" أنا أعلمكم بالله وأخشاكم لله "

وإنما كان علمه أكمل وأشرف وأقوى؛ لأنه حصل عن التعليم الرباني، وما اشتغل قط بالتعلم والتعليم الإنساني فقال تعالى:

علمه شديد القوى

[النجم: 5].

والوجه الثاني: هو الإلهام. والإلهام تنبيه النفس الكلي للنفس الجزئي على قدر صفاته وقبوله وقوته واستعداده. والإلهام أثر الوحي. فإن الوحي هو تصريح الأمر الغيبي. والإلهام هو تعريضه. والعلم الحاصل عن الوحي يسمى علما نبويا. والذي عن الإلهام يسمى علما لدنيا. والعلم اللدني: هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري. وإنما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف. وذلك أن العلوم كلها محصولة في جوهر النفس الكلي الأولي الذي هو من الجواهر المفارقة الأولية المحضة، بالنسبة إلى العقل الأول كنسبة حواء إلى آدم عليهما السلام. وقد تبين أن العقل الكلي أشرف وأكمل وأقوى وأقرب إلى البارئ تعالى من النفس الكلي. والنفس الكلي أعز وألطف وأشرف من سائر المخلوقات.

فمن إفاضة العقل الكلي يتولد الإلهام. فالوحي حلية الأنبياء، والإلهام زينة الأولياء. فكما أن النفس دون العقل، فالوحي دون النبي. وكذلك الإلهام دون الوحي. فهو ضعيف بنسبة الوحي، قوى بإضافة الرؤيا. والإلهام علم الأنبياء والأولياء. فإن علم الوحي خاص بالرسل موقوف عليهم. كما كان لآدم وموسى وإبراهيم ومحمد وغيرهم من الرسل صلوات الله عليهم. وفرق بين الرسالة والنبوة. فالنبوة هي قبول النفس القدسي حقائق المعلومات والمعقولات عن جوهر العقل الأول. والرسالة تبليغ تلك المعلومات والمعقولات إلى المستفيدين والمتابعين. وربما يتفق القبول لنفس من النفوس، ولا يتأتى لها التبليغ لعذر من الأعذار وسبب من الأسباب. والعلم اللدني يكون لأهل النبوة والولاية، كما حصل للخضر عليه السلام حيث أخبر الله فقال:

محاسن التأويل · الصفحة ١٩١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٩١٥