كلا الفريقين من يطلب الدنيا فيعطاها ومن يطلب الآخرة فيلقاها نمد بالعطايا العاجلة من عطاء ربك الواسع وفضله السابغ، وعطاء الله لا يحظره أحد ولا يمنعه، فهو مطلق تتوجه به المشيئة حيث تشاء، فالثراء والغنى ليس آية على رضا الله فهو يوسع الرزق على من يشاء من عباده ويضيقه لأسباب أخرى غير الرضا والغضب، فالله يرزق في الدنيا مريدي العاجلة الكافرين، ومريدي الآخرة المؤمنين، ويمد الجميع بالرزق، فهو لا يمنعه عن كافر لكفره ولا عن عاص لعصيانه، بل يبسط الرزق لمن يشاء عن خبرة وبصر.
21 - (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا)
﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا 21﴾
التفسير:
21 - ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾.
التفاوت بين الناس في الدنيا ملحوظ بحسب وسائلهم وأسبابهم واتجاهاتهم وأعمالهم- فمن وضيع ورفيع، ومالك ومملوك، وموسر وصعلوك، وعالم وجاهل- - - إلخ- وإذا كان هذا التفاوت في متاع الحياة الدنيا القليل الهزيل فكيف التفاوت بينهم في الآخر التي لا تزن فيها الدنيا كلها جناح بعوضة، لا شك أن التفاوت الحق والتفاضل الضخم هو هناك في الآخرة؛ لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها العالية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، لا في زخارف الدنيا ومتاعها الزائل.
22 - (لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا)
{لا تجعلْ مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا 22)
التفسير:
22 - ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾.
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه في الحقيقة عام للمكلفين ويحسن أن يقال: إن الخطاب للإنسان كأنه قيل: يا أيها الإنسان، لا تجعل، أو القول مضمر- أي: قل لكل مكلف: لا تجعل- والأمر عام في حقيقته ولكنه وجه إلى المفرد؛ ليحس كل فرد أنه أمر خاص به صادر إلى شخصيته، فالاعتقاد مسألة شخصية مسئول عنها كل فرد بذاته، والعاقبة التي تنتظر كل فرد يحيد عن التوحيد أن يقعد مذموما؛ بالفعلة الذميمة التي أقدم عليها، مخذولا لا ناصر له، ومن لا ينضره الله فهو مخذول وإن كثر ناصروه- ولفظ: تقعد يصور هيئة المذموم المخذول وقد حط به الخذلان فقعد، ويلقى ظل الضعف، فالقعود هو أضعف هيئات الإنسان وأكثرها استكانة وعجزا فإن السعي إنما يتأتى بالقيام والعجز عنه يلزمه أن يبقى قاعدا عن الطلب.
وخلاصة المعنى: لا تجعل أيها الإنسان مع الله شريكا في عبادته فتصير مذموما على الشرك مخذولا من الله، يكلك إلى ذلك الشريك ولا ينصرك- قال تعالى: ﴿وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾ - (آل عمران: 160).
مكارم الأخلاق في سورة الإسراء
اشتملت الآيات من 23 إلى 39 على جملة من الوصايا والآداب التي تسهم في تربية الأفراد وتماسك المجتمع وترابطه وذكر ابن عباس: أن هذه الوصايا هي خلاصة ما ورد في التوراة ومجمل هذه الوصايا ما يلي:
1 - عبادة الله وحده الآية 23
2 - بر الوالدين الآيات 23 - 25
3 - صلة الرحم الآية 26
4 - العطف على المسكين وابن السبيل الآية 26
5 - النهي عن البخل والتبذير الآية 27 - 29
6 - النهي عن قتل الأولاد الآية 31
7 - النهي عن الزنا الآية 32
8 - النهي عن قتل النفس الآية 33
9 - النهي عن أكل مال اليتيم الآية 34
10 - الأمر بالوفاء بالعهد الآية 34
11 - الأمر بالوفاء بالكيل والميزان الآية 35
12 - الأمر بالتثبيت في القول الآية 36
13 - النعي عن الخيلاء والكبر الآية 39
14 - النهي عن الشرك بالله الآية 39