﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا ﴾ بيان لقصور عقولهم وانهماكهم في التقليد وأن لا سند لهم سواه. ﴿ أولوا كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ﴾ الواو للحال والهمزة دخلت عليها لإنكار الفعل على هذه الحال، أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين، والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بمن علم أنه عالم مهتد وذلك لا يعرف إلا بالحجة فلا يكفي التقليد.
﴿ يأيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم ﴾ أي إحفظوها والزموا إصلاحها، والجار مع المجرور جعل اسما لإلزموا ولذلك نصب أنفسكم. وقرىء بالرفع على الابتداء. ﴿ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾ لا يضركم الضلال إذا كنتم مهتدين، ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته كما قال عليه الصلاة والسلام
" من رأى منكم منكرا واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ".
والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم، وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت آباءك فنزلت. و ﴿ لا يضركم ﴾ يحتمل الرفع على أنه مستأنف ويؤيده أن قرىء «لا يضيركم» والجزم على الجواب أو النهي لكنه ضمت الراء إتباعا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة وتنصره قراءة من قرأ ﴿ لا يضركم ﴾ بالفتح، و ﴿ لا يضركم ﴾ بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره. ﴿ إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ﴾ وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره.
﴿ يأيها الذين ءامنوا شهدة بينكم ﴾ أي فيما أمرتم شهادة بينكم، والمراد بالشهادة الإشهاد في الوصية وإضافتها إلى الظرف على الاتساع وقرىء ﴿ شهادة ﴾ بالنصب والتنوين على ليقم. ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ إذا شارفه وظهرت أماراته وهو ظرف للشهادة.
﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه وفي إبداله تنبيه على أن الوصية مما ينبغي أن لا يتهاون فيه أو ظرف حضر. ﴿ اثنان ﴾ فاعل شهادة ويجوز أن يكون خبرها على حذف المضاف. ﴿ ذوا عدل منكم ﴾ أي من أقاربكم أو من المسلمين وهما صفتان لاثنان. ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ عطف على اثنان، ومن فسر الغير بأهل الذمة جعله منسوخا فإن شهادته على المسلم لا تسمع إجماعا. ﴿ إن أنتم ضربتم فى الأرض ﴾ أي سافرتم فيها. ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي قاربتم الأجل. ﴿ تحبسونهما ﴾ تقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه بقوله أو آخران من غيركم اعتراض، فائدته الدلالة على أنه ينبغي أن يشهد اثنان منكم فإن تعذر كما في السفر فمن غيركم، أو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن ارتبنا بالشاهدين فقال تحبسونهما. ﴿ من بعد الصلاة ﴾ صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار. وقيل أي صلاة كانت. ﴿ فيقسمان بالله إن ارتبتم ﴾ إن ارتاب الوارث منكم. ﴿ لا نشترى به ثمنا ﴾ مقسم عليه، وإن ارتبتم اعتراض يفيد اختصاص القسم بحال الارتياب. والمعنى لا نستبدل بالقسم أو بالله عرضا من الدنيا أي لا نحلف بالله كاذبا لطمع. ﴿ ولو كان ذا قربى ﴾ ولو كان المقسم له قريبا منا، وجوابه أيضا محذوف أي لا نشتري. ﴿ ولا نكتم شهدة الله ﴾ أي الشهادة التي أمرنا الله بإقامتها، وعن الشعبي أنه وقف على شهادة ثم ابتدأ الله بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه، وروي عنه بغيره كقولهم الله لأفعلن. ﴿ إنا إذا لمن الآثمين ﴾ أي إن كتمنا. وقرىء لملاثمين بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام النون فيها.
﴿ فإن عثر ﴾ فإن اطلع. ﴿ على أنهما استحقا إثما ﴾ أي فعلا ما أوجب إثما كتحريف. ﴿ فآخران ﴾ فشاهدان آخران. ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ من الذين جنى عليهم وهم الورثة. وقرأ حفص «استحق» على البناء للفاعل وهو الأوليان. ﴿ الأوليان ﴾ الاحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما وهو خبر محذوف أي: هما الأوليان أو خبر ﴿ ءاخران ﴾ أو مبتدأ خبره آخران، أو بدل منهما أو من الضمير في يقومان. وقرأ حمزة ويعقوب وأبو بكر عن عاصم «الأولين» على أنه صفة للذين، أو بدل منه أي من الأولين الذين استحق عليهم. وقرىء «الأولين» على التثنية وانتصابه على المدح والأولان وإعرابه إعراب الأوليان. ﴿ فيقسمان بالله لشهدتنا أحق من شهدتهما ﴾ أصدق منها وأولى بأن تقبل. ﴿ وما اعتدينا ﴾ وما تجاوزنا فيها الحق. ﴿ إنا إذا لمن الظلمين ﴾ الواضعين الباطل موضع الحق، أو الظالمين أنفسهم إن اعتدينا. ومعنى الآيتين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته، أو يوصي إليهما احتياطا فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخرين من غيرهم، ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإنه لا يخلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث وثابت إن كانا وصيين ورد اليمين إلى الورثة إما لظهور خيانة الوصيين فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى.