5.55-61
﴿ إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا ﴾ لما نهى عن موالاة الكفرة ذكر عقيبه من هو حقيق بها، وإنما قال ﴿ وليكم الله ﴾ ولم يقل أولياؤكم للتنبيه على أن الولاية لله سبحانه وتعالى على الأصالة ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين على التبع. ﴿ الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ﴾ صفة للذين آمنوا فإنه جرى مجرى الاسم، أو بدل منه ويجوز نصبه ورفعه على المدح. ﴿ وهم راكعون ﴾ متخشعون في صلاتهم وزكاتهم، وقيل هو حال مخصوصة بيؤتون، أو يؤتون الزكاة في حال ركوعهم في الصلاة حرصا على الإحسان ومسارعه إليه، وإنها نزلت في علي رضي الله عنه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه. واستدل بها الشيعة على إمامته زاعمين أن المراد بالولي المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها، والظاهر ما ذكرناه مع أن حمل الجمع على الواحد أيضا خلاف الظاهر وإن صح أنه نزل فيه فلعله جيء بلفظ الجمع لترغيب الناس في مثل فعله فيندرجوا فيه، وعلى هذا يكون دليل على أن الفعل القليل في الصلاة لا يبطلها وأن صدقة التطوع تسمى زكاة.
﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا ﴾ ومن يتخذهم أولياء. ﴿ فإن حزب الله هم الغلبون ﴾ أي فإنهم هم الغالبون، ولكن وضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه فكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتنويها بذكرهم وتعظيما لشأنهم وتشريفا لهم بهذا الاسم، وتعريضا لمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان. وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حز بهم.
﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتب من قبلكم والكفار أولياء ﴾ نزلت في رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهرا الإسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادونهما. وقد رتب النهي عن موالاتهم على اتخاذهم دينهم هزوا ولعبا إيماء إلى العلة وتنبيها على أن من هذا شأنه بعيد عن الموالاة جدير بالمعاداة والبغضاء، وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار على قراءة من جره وهم أبو عمرو والكسائي ويعقوب، والكفار وإن عم أهل الكتاب يطلق على المشركين خاصة لتضاعف كفرهم، ومن نصبه عطفه على الذين اتخذوا على أن النهي عن موالاة من ليس على الحق رأسا سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين. ﴿ واتقوا الله ﴾ بترك المناهي. ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ لأن الإيمان حقا يقتضي ذلك. وقيل إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده.
﴿ وإذا ناديتم إلى الصلوة اتخذوها هزوا ولعبا ﴾ أي اتخذوا الصلاة، أو المنادة وفيه دليل على أن الأذان مشروع للصلاة.
روي: أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله، قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شررها في البيت فأحرقه وأهله. ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ فإن السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهزؤ به، والعقل يمنع منه.
﴿ قل يأهل الكتب هل تنقمون منا ﴾ هل تنكرون منا وتعيبون، يقال نقم منه كذا إذا أنكره وانتقم إذا كافأه. وقرىء ﴿ تنقمون ﴾ بفتح القاف وهي لغة. ﴿ إلا أن ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ﴾ الإيمان بالكتب المنزلة كلها. ﴿ وأن أكثركم فسقون ﴾ عطف على ﴿ أن آمنا ﴾ وكأن المستثنى لازم الأمرين وهو المخالفة أي: ما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا الإيمان وأنتم خارجون منه، أو كان الأصل واعتقاد أن أكثركم فاسقون فحذف المضاف، أو على ما أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون، أو على علة محذوفة والتقدير هل تنقمون منا إلا أن آمنا لقلة إنصافكم وفسقكم، أو نصب بإضمار فعل يدل عليه هل تنقمون أي: ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي: وفسقكم ثابت معلوم عندكم ولكن حب الرياسة والمال يمنعكم عن الإنصاف. والآية خطاب ليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يؤمن به فقال: