5.42
﴿ سمعون للكذب ﴾ كرره للتأكيد. ﴿ أكلون للسحت ﴾ أي الحرام كالرشا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب في المواضع الثلاثة بضمتين وهما لغتان كالعنق والعنق، وقرىء بفتح السين على لفظ المصدر. ﴿ فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ تخيير لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تحاكموا إليه بين الحكم والإعراض ولهذا قيل: لو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وهو قول للشافعي والأصح وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميا لأنا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم منهم، والآية ليست في أهل الذمة، وعند أبي حنيفة يجب مطلقا. ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ﴾ بأن يعادوك لإعراضك عنهم فإن الله سبحانه وتعالى يعصمك من الناس. ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ أي بالعدل الذي أمر الله به. ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ فيحفظهم ويعظم شأنهم.
5.43-50
﴿ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ﴾ تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم، و ﴿ فيها حكم الله ﴾ حال من التوراة إن رفعتها بالظرف، وإن جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه وتأنيثها لكونها نظيرة المؤنث في كلامهم لفظا كموماة ودوداة. ﴿ ثم يتولون من بعد ذلك ﴾ ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد التحكيم، وهو عطف على يحكمونك داخل في حكم التعجيب. ﴿ وما أولئك بالمؤمنين ﴾ بكتابهم لإعراضهم عنه أولا وعما يوافقه ثانيا، أو بك وبه.
﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ﴾ يهدي إلى الحق. ﴿ ونور ﴾ يكشف عما استبهم من الأحكام. ﴿ يحكم بها النبيون ﴾ يعني أنبياء بني إسرائيل، أو موسى ومن بعده إن قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، وبهذه الآية تمسك القائل به. ﴿ الذين أسلموا ﴾ صفة أجريت على النبيين مدحا لهم وتنويها بشأن المسلمين، وتعريضا باليهود وأنهم بمعزل عن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واقتفاء هديهم. ﴿ للذين هادوا ﴾ متعلق بأنزل، أو بيحكم أي يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدل على أن النبيين أنبياؤهم. ﴿ والربانيون والأحبار ﴾ زهادهم وعلماؤهم السالكون طريقة أنبيائهم عطف على النبيون ﴿ بما استحفظوا من كتب الله ﴾ بسبب أمر الله إياهم بأن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف، والراجع إلى ما محذوف ومن للنبيين. ﴿ وكانوا عليه شهداء ﴾ رقباء لا يتركون أن يغير، أو شهداء يبينون ما يخفى منه كما فعل ابن صوريا. ﴿ فلا تخشوا الناس واخشون ﴾ نهي للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم أو مراقبة كبير. ﴿ ولا تشتروا بآيتي ﴾ ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها. ﴿ ثمنا قليلا ﴾ هو الرشوة والجاه ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله ﴾ مستهينا به منكرا له. ﴿ فأولئك هم الكفرون ﴾ لاستهانتهم به وتمردهم بأن حكموا بغيره، ولذلك وصفهم بقوله ﴿ الكفرون ﴾ و ﴿ الظلمون ﴾ و ﴿ الفسقون ﴾ ، فكفرهم لإنكاره، وظلمهم بالحكم على خلافه، وفسقهم بالخروج عنه. ويجوز أن يكون كل واحدة من الصفات الثلاث باعتبار حال انضمت إلى الامتناع عن الحكم به ملائمة لها، أو لطائفة كما قيل هذه في المسلمين لاتصالها بخطابهم، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى.
﴿ وكتبنا عليهم ﴾ وفرضنا على اليهود. ﴿ فيها ﴾ في التوراة. ﴿ أن النفس بالنفس ﴾ أي أن النفس تقتل بالنفس. ﴿ والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ﴾ رفعها الكسائي على أنها جمل معطوفة على أن وما في حيزها باعتبار المعنى وكأنه قيل: وكتبنا عليهم النفس بالنفس، والعين بالعين، فإن الكتابة والقراءة تقعان على الجمل كالقول، أو مستأنفة ومعناها: وكذلك العين مفقوءة بالعين، والأنف مجدوعة بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن، أو على أن المرفوع منها معطوف على المستكن في قوله بالنفس، وإنما ساغ لأنه في الأصل مفصول عنه بالطرف، والجار والمجرور حال مبينة للمعنى، وقرأ نافع ﴿ والأذن بالأذن ﴾ وفي أذنيه بإسكان الذال حيث وقع.