5.94
﴿ يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورمحكم ﴾ نزلت في عام الحديبية ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بالصيد، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم وهم محرمون، والتقليل والتحقير في بشيء للتنبيه على أنه ليس من العظائم التي تدحض الأقدام كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال، فمن لم يثبت عنده كيف يثبت عند ما هو أشد منه. ﴿ ليعلم الله من يخافه بالغيب ﴾ ليتيمز الخائف من عقابه وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه وقلة إيمانه، فذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره أو تعلق العلم. ﴿ فمن اعتدى بعد ذلك ﴾ بعد ذلك الابتلاء بالصيد. ﴿ فله عذاب أليم ﴾ فالوعيد لاحق به، فإن من لا يملك جأشه في مثل ذلك ولا يراعي حكم الله فيه فكيف به فيما تكون النفس أميل إليه وأحرص عليه.
5.95
﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ أي محرمون جمع حرام كرداح وردح، ولعله ذكر القتل دون الذبح والذكاة للتعميم، وأراد بالصيد ما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفا ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام
" خمس يقتلن في الحل والحرم، الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور "
وفي رواية أخرى «الحية» بدل «العقرب»، مع ما فيه من التنبيه على جواز قتل كل مؤذ، واختلف في أن هذا النهي هل يلغي حكم الذبح فيلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثني أو لا فيكون كالشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب. ﴿ ومن قتله منكم متعمدا ﴾ ذاكرا لإحرامه عالما بأنه حرام عليه قبل ما يقتله، والأكثر على أن ذكره ليس لتقييد وجوب الجزاء فإن إتلاف العامد والمخطىء واحد في إيجاب الضمان، بل لقوله: ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ ولأن الأية نزلت فيمن تعمد إذ روي: أنه عن لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله. فنزلت. ﴿ فجزاء مثل ما قتل من النعم ﴾ برفع الجزاء، والمثل قراءة الكوفيين ويعقوب بمعنى فعليه أي فواجبه جزاء يماثل ما قتل من النعم، وعليه لا يتعلق الجار بجزاء للفصل بينهما بالصفة فإن متعلق المصدر كالصلة له فلا يوصف ما لم يتم بها، وإنما يكون صفته وقرأ الباقون على إضافة المصدر إلى المفعول وإقحام مثلي كما في قولهم مثلي لا يقول كذا، والمعنى فعليه أن يجزى مثل ما قتل. وقرىء فجزاء مثلي ما قتل بنصبهما على فليجز جزاء، أو فعليه أن يجزي جزاء يماثل ما قتل وفجزاؤه مثل ما قتل، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما، والقيمة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال: يقوم الصيد حيث صيد فإن بلغت القيمة ثمن هدى تخير بين أن يهدي ما قيمته قيمته وبين أن يشتري بها طعاما فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوما وإن لم تبلغ تخير بين الإطعام والصوم واللفظ للأول أوفق. ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ صفة جزاء ويحتمل أن يكون حالا من ضميره في خبره أو منه إذا أضفته، أو وصفته ورفعته بخبر قدر لمن وكما أن التقويم يحتاج إلى نظر واجتهاد يحتاج إلى المماثلة في الخلقة والهيئة إليها، فإن الأنواع تتشابه كثيرا. وقرىء «ذو عدل» على إرادة الجنس أو الإمام. ﴿ هديا ﴾ حال من الهاء في به أو من جزاء وإن نون لتخصصه بالصفة، أو بدل من مثل باعتبار محله أو لفظه فيمن نصبه. ﴿ بلغ الكعبة ﴾ وصف به هديا لأن إضافته لفظية ومعنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم والتصدق به، وقال أبو حنيفة يذبح بالحرم ويتصدق به حيث شاء.
﴿ أو كفارة ﴾ عطف على جزاء إن رفعته وإن نصبته فخبر محذوف. ﴿ طعام مسكين ﴾ عطف بيان أو بدل منه، أو خبر محذوف أي هي طعام. وقرأ نافع وابن عامر كفارة ﴿ طعام ﴾ بالإضافة للتبيين كقولك: خاتم فضة، والمعنى عند الشافعي أو أن يكفر بإطعام مساكين ما يساوي قيمة الهدي من غالب قوت البلد فيعطي كل مسكين مدا. ﴿ أو عدل ذلك صياما ﴾ أو ما ساواه من الصوم فيصوم عن طعام كل مسكين يوما، وهو في الأصل مصدر أطلق للمفعول. وقرىء بكسر العين وهو ما عدل بالشيء في المقدر كعدل الحمل وذلك إشارة إلى الطعام، وصياما تمييز للعدل. ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ متعلق بمحذوف أي فعليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام، أو الثقل الشديد على مخالفة أمر الله تعالى وأصل الوبل الثقل ومنه الطعام الوبيل. ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ من قتل الصيد محرما في الجاهلية أو قبل التحريم، أو في هذه المرة. ﴿ ومن عاد ﴾ إلى مثل هذا. ﴿ فينتقم الله منه ﴾ فهو ينتقم الله منه وليس فيه ما يمنع الكفارة على العائد كما حكي عن ابن عباس وشريح. ﴿ والله عزيز ذو انتقام ﴾ مما أصر على عصيانه.