5.116
﴿ وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ﴾ يريد به توبيخ الكفرة وتبكيتهم، ومن دون الله صفة لإلهين أو صلة اتخذوني، ومعنى دون إما المغايرة فيكون فيه تنبيه على أن عبادة الله سبحانه وتعالى مع عبادة غيره كلا عبادة، فمن عبده مع عبادتهما كأنه عبدهما ولم يعبده أو للقصور، فإنهم لم يعتقدوا أنهما مستقلان باستحقاق العبادة وإنما زعموا أن عبادتهما توصل إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وكأنه قيل: اتخذوني وأمي إلهين متوصلين بنا إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿ قال سبحنك ﴾ أنزهك تنزيها من أن يكون لك شريك. ﴿ ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ ما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله. ﴿ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم ما أعلنه، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك. وقوله في نفسك للمشاكلة وقيل المراد بالنفس الذات. ﴿ إنك أنت علم الغيوب ﴾ تقرير للجملتين باعتبار منطوقه ومفهومه.
5.117-120
﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ تصريح بنفي المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه. ﴿ أن اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ عطف بيان للضمير في به، أو بدل منه وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقا ليلزم بقاء الموصول بلا راجع، أو خبر مضمر أو مفعوله مثل هو أو أعني، ولا يجوز إبداله من ما أمرتني به فإن المصدر لا يكون مفعول القول ولا أن تكون أن مفسرة لأن الأمر مسند إلى الله سبحانه وتعالى، وهو لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم والقول لا يفسر بل الجملة تحكي بعده إلا أن يؤول القول بالأمر فكأن قيل: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن ﴿ اعبدوا الله ﴾. ﴿ وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ﴾ أي رقيبا عليهم أمنعهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه، أو مشاهدا لأحوالهم من كفر وإيمان. ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء لقوله:
إني متوفيك ورافعك
[آل عمران: 55] والتوفي أخذ الشيء وافيا، والموت نوع منه قال الله تعالى:
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها
[الزمر: 42] ﴿ كنت أنت الرقيب عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم فتمنع من أردت عصمته من القول به بالارشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسل وإنزال الآيات. ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ مطلع عليه مراقب له.
﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك ﴾ أي إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه، وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك. ﴿ وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ فلا عجز ولا استقباح فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب، الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم، فإن عذبت فعدل وإن غفرت ففضل. وعدم غفران الشرك بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته ليمنع الترديد والتعليق بأن.
﴿ قال الله هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم ﴾ وقرأ نافع ﴿ يوم ﴾ بالنصب على أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف، أو ظرف مستقر وقع خبرا والمعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع. وقيل إنه خبر ولكن بني على الفتح بإضافته إلى الفعل وليس بصحيح، لأن المضاف إليه معرب والمراد بالصدق الصدق في الدنيا فإن النافع ما كان حال التكليف. ﴿ لهم جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم ﴾ بيان للنفع. ﴿ لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ﴾ تنبيه على كذب النصارى وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل ومن فيهن تغليبا للعقلاء وقال ﴿ وما فيهن ﴾ اتباعا لهم غير أولي العقل إعلاما بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية، وإهانة لهم وتنبيها على المجانسة المنافية للألوهية، ولأن ما يطلق متناولا للأجناس كلها فهو أولى بإرادة العموم. عن النبي صلى الله عليه وسلم