تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال إني جاعلك للناس إماما

[البقرة: 124] في شبابه ابتلي بالإحراق، ولما كبر سنه ابتلي بذبح ولده، وهو في حال ابنه أعز عليه من نفسه، لأن الإنسان حين يتقدم به سنه ويقبل على الآخرة والنهاية يود أن يكون له امتداد في ولده من بعده. فابتلي إذن في أول حياته في ذاته بالإحراق، ثم ابتلي عند وجود الولد وبعد كبر السن بقتل الولد. والابتلاء هنا ابتلاء مبالغة، فلو أنه سيموت موتا طبيعيا لكان ابتلاء، فما بالك حين يقول له: اذبحه بيديك، عندها يكون الابتلاء أشد، وهذا الابتلاء لم يأت بأمر مباشر، إنما برؤيا منامية قابلة للتأويل، ومع ذلك أذعن إبراهيم لمجرد الرؤيا لأنه يعلم أنها من الله. لكن كيف أقبل سيدنا إبراهيم على تنفيذ هذا الأمر؟ أأخذ ولده على غرة؟ لا بل أحب أن يدخله معه في مجال الابتلاء، وألا يحرمه ثواب التسليم معه لله، فقال له:

يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى

[الصافات: 102]. وقوله:

في المنام

[الصافات: 102] أراد أن يعطيه فرصة لأن يقول: كيف تذبحني يا أبي برؤيا منام، فيكون له مجال لأن يعترض لكنه لم يفعل

قال يأبت افعل ما تؤمر

[الصافات: 102]. وتصور لو أن سيدنا إبراهيم أخذ ولده دون أن يخبره بشيء وألقاه على الأرض وأمسك بالسكين ليذبحه، ماذا سيكون شعور الولد نحو والده؟ سيكرهه ويكره فعله ويغضب عليه، وفي هذه الحالة لا نصيب له في ثواب هذا الابتلاء.

وتأمل قول إسماعيل في الرد على أبيه:

يأبت افعل ما تؤمر

[الصافات: 102] فيذكره بالآمر يعني: يا أبت افعل ما دام الأمر من أعلى منك، وسبق أن قلنا: إن الفعل في ذاته ينبغي ألا يترتب عليه فرح به ولا غضب منه إلى أن تعرف الفاعل، فإذا عرفت أن ربك هو الآمر، فقد انتهت المسألة وليس إلا التسليم للأمر. وهكذا رأينا التسليم منهما معا، لذلك قال:

فلما أسلما

[الصافات: 103] هكذا بصيغة المثنى

وتله للجبين

[الصافات: 103] يعني: بدأ التنفيذ والانقياد بشكل عملي قال له ربه: ارفع يدك فقد نجحت في الامتحان

وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم

[الصافات: 104-107]. هكذا رفع البلاء ولا يرفع قضاء حتى يرضى به، رفع عن إسماعيل القتل ونزل له الفداء وعوضه ربه عن الفزع الذي أصابه، فبشره بغلام آخر

وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين

[الصافات: 112] يعني: كنا نريد أخذ إسماعيل، فلما رضيت بقضائنا فيه زدناه بآخر، ثم جعلناهما من الأنبياء ومن ذريتهما الأنبياء، فتأمل ماذا جر لك التسليم بالقضاء والرضا به؟ إذن: أنت في التسليم لله لا تأخذ الفعل لذاته، إنما بضميمة صاحبه، الآمر به.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٠٠