تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي: ينكرونها كبرا واستعلاء، فهم لا يجحدونها ولا ينكرونها لدليل عندهم ولا لمنطق يعتمدون عليه، إنما يجحدونها لأنها آيات الله وهم لا يريدون الله، ولا يريدون منهج الله. إنهم يخافون هذا المنهج الذي يؤدب حركتهم في الحياة ويقيد شهواتهم، إنهم يريدون أن ينطلقوا في الحياة بشراسة القوة والبطش بالناس وبشراسة الشهوات التي لا ضابط لها، فجحود الآيات هو سبب الانصراف عن الحق، فكأنه أمر غير طبيعي منهم. لذلك رأينا كفار قريش تكبروا عن قبول الحق وعاندوا رسول الله، ولم ينطقوا أبدا بلا إله إلا الله ولو مجرد النطق بها ككلمة، لماذا؟ لأنهم يعرفون معناها تماما ويعلمون مطلوباتها، ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تقال لقالوها، لكنهم وهم العرب أصحاب هذه اللغة يعرفون أن معنى لا إله إلا الله: لا معبود إلا لله، ولا سيادة ولا رأي إلا لله، ولا حكم ولا خضوع إلا لله، وكيف يقبلون بذلك وهم قد ألفوا السيادة على قبائل العرب؟ وكلمة ﴿ يؤفك ﴾ [غافر: 63] من الإفك، وهو الكذب وقلب الحقائق، والكذب أن تقول قضية مخالفة للواقع فكأنك تقلب الحقيقة لذلك قال تعالى:

والمؤتفكة أهوى

[النجم: 53] المؤتفكة: هي القرى التي قلبها الله رأسا على عقب، كذلك الكذب يقلب الحقائق، فينكر الموجود ويثبت غير الموجود. وقوله تعالى: ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ [غافر: 62] أي: تصرفون عن الحق الواضح كأن هذا أمر فطري، فبالفطرة يصل الإنسان إلى الله، وما كان ينبغي أن يقف الإنسان أمام هذه القضية لأنها واضحة وعليها دليل، وكل تعاليم العقائد كذلك أمور فطرية أولا، إنما ضبب هذه الفطرة هوى النفس والغفلة وأغيار الزمن. فما جاء به الدليل والعقيدة أمور يصل إليها العقل بالفطرة والطبيعة الصافية، بدليل أن الناس الذين لم يؤمنوا برسول فكروا في هذه المسائل، وتوصلوا إلى وجود الخالق سبحانه لما تأملوا آياته في كونه. لذلك تجد مثلا الفلاسفة الذين كانوا لا يحبون كلمة رسول ويقولون: نحن مهتدون بطبيعتنا ولسنا في حاجة إلى رسل، قالها سقراط، لذلك ناقشه فيها تلميذه أرسطودين وعرض عليه من المسائل والآيات كما يعرض الدين تماما. قال له: انظر إلى نفسك وإلى تكوينك في ذاتك، وتأمل ما فيك من جوارح، لا أقول لك: انظر إلى الآيات الكونية من حولك بل إلى نفسك وجوارحك في ذاتك، أليس لك حواس؟ قال: بلى، قال: اذكرها. قال: لي عين تبصر، وأذن تسمع، ولسان يتكلم، ويد تلمس.. إلخ. قال: فلماذا خلق لك عينان وأذنان ولسان واحد، أليس وراء ذلك حكمة؟ تأمل هذه الحواس وتأمل الحكمة من خلقها على هذه الصورة، خلق لك عينين لاستيعاب المرئيات من هنا ومن هنا، وأذنين لاستيعاب المسموعات من هنا ومن هنا. أما اللسان فيكفي في القيام بمهمته لسان واحد به تتكلم وتعبر، وبه تتذوق المطعومات، اللسان على صغر حجمه تتذوق به الحار والبارد، والحلو والمر، ثم إذا التذ به ابتلعه، وإذا لم يلتذ به يلفظه وكأنه كنترول على كل ما تتناوله، ثم إن التذوق يحفزك على الأكل ويرغبك فيه، لأن به استبقاء الحياة والقوة التي نحقق بها مطلوب الله منا.

ثم ألا ترى حكمة في قرب مدخل الطعام من الأنف الذي يشم، والعين التي تبصر؟ لقد خلقه الله على هذه الصورة البديعة لتتمكن من رؤيته، ومن شم رائحته قبل أن تتناوله، أما مخارج الطعام فأين هي؟ بعيدة عن العين، بعيدة عن الأنف، حتى لا تؤذيك الفضلات. نعم

وفي أنفسكم أفلا تبصرون

[الذاريات: 21]. ثم تأمل العين الواحدة تجد لها جفنا ينقبض، وينفتح حسب إرادتك، وفوق العين حاجب يمنع تساقط العرق داخل العين وتحت أهداب ورموش تدفع عن العين ما يؤذيها من الغبار والأتربة، فإذا نفذ إلى العين شيء بعد ذلك، جاءت الدموع لتمسح العين وتطهرها كما تفعل المساحة التي تمسح زجاج السيارة. والأنف الذي نشم به الروائح الطيبة في الطبيعة وبه نميز الأشياء، والآن نستخدمه ونوظف حاسة الشم عند الكلب مثلا للكشف عن الجرائم والمجرمين. هذا كله كلام نظري يقوله بالفطرة إنسان صفت نفسه، وسلمت فطرته، فتوصل إلى الحق بقليل من التأمل. إذن: فقوله تعالى ﴿ فأنى تؤفكون ﴾ [غافر: 62] تحمل معنى التعجب من الانصراف عن الحق، لأنه أمر لا ينبغي أن يكون وما كان يصح من أصحاب العقول أن ينصرفوا عن الحق وهو واضح. لذلك قال تعالى في سورة البقرة:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٩٥