[المدثر: 31]. والإيمان يقتضي التصديق بما أخبر به الحق سبحانه وألا تناقش مثل هذه المسائل، المهم قال أو لم يقل: حدث الشيء أو لم يحدث، لذلك سيدنا أبو بكر لما أخبروه أن صاحبك يدعي أنه رسول، ماذا قال؟ قال: ألا وقد قالها؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق ولم يبحث في المسألة، كذلك نحن في كل أمر يقف فيه العقل، ما دام قد جاءنا فيه خبر من عند الله فعلينا أن نقبله ونؤمن به
ومن أصدق من الله حديثا
[النساء: 87]. وكون عقلك يستوعب هذا الخبر أو لا يستوعبه فهذا موضوع آخر، لأن هناك فرقا بين الوجود وكيفية الوجود، فقد يوجد الشيء لكنك لا تعرف كيف وجد. تأمل في قصة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال:
رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي..
[البقرة: 260]. تجد السطحيين في الفهم عن الله يتهمون القرآن في هذه المسألة بالتعارض، كيف؟ يقولون: معنى بلى يعني آمنت والإيمان يقتضي اطمئنان القلب إلى العقيدة، فلماذا يقول بعدها:
ولكن ليطمئن قلبي..
[البقرة: 260]؟ ونقول له: أنت معذور، لأنك لم تفهم معنى السؤال، ولو فهمت معناه ما اتهمت القرآن، هل قال إبراهيم لربه: أتحيي الموتى أم قال
رب أرني كيف تحيي..
[البقرة: 260] فهو إذن لم يسأل عن إمكانية الفعل ولم يشك في قدرة الله، ولكنه يسأل عن الكيفية
رب أرني كيف تحيي الموتى..
[البقرة: 260] إذن: فإحياء الموتى أمر سابق يسأل إبراهيم عن كيفيته، فلو قلت لك: كيف بنيت هذا البيت؟ فهذا يعني أن البيت قائم بالفعل. إذن: فقوله بلى يعني: آمنت يا رب أنك تحيي الموتى، وطلب الاطمئنان بعد ذلك للكيفية والسؤال عن الكيفية أمر ضروري في مسألة الخلق وكيفية الإيجاد لأنها عملية لا تتأتى كلاما، لأن فعل الله تعالى ليس علاجا كفعل البشر. فلو قلت لك: كيف بنيت هذا البيت؟ تقول: حفرت الأساس وأحضرت الحديد والأسمنت وفعلت كذا وكذا، فلان صمم، وفلان نفذ، وفلان بنى، وفلان غفق.. إلخ فأعطيك كيفية الفعل بحيث تستطيع تطبيقها إن أردت ولا تجد فيها اختلافا، لكن إن أردنا أن نبين كيفية الإحياء، فكيف نبنيها؟ إنها مسألة لا تتأتى بالكلام، ولا بد من إجراء العملية بالفعل، وتأمل أن الله تعالى أراد أن يجريها إبراهيم بنفسه، وألا تجرى له إنما يمارسها بنفسه.
وفرق بين أن تعدى قدرتك لغيرك فتنفعل له، وأن تعدى قدرتك لغيرك فتجعله يفعل بنفسه، فمثلا قد تعجز عن حمل شيء فأحمله عنك وهذا أمر طبيعي، لكن العظمة في أن أجعلك تقدر أنت بنفسك عن حمله. وهذا ما فعله الحق سبحانه مع نبيه إبراهيم عليه السلام:
قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك..
[البقرة: 260] أي: ضمهن إليك واعرف أوصافهن
ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا..
[البقرة: 260] يعني: اذبحهن وفرق أجزاءهن على الجبال
ثم ادعهن يأتينك سعيا..
[البقرة: 260]. إذن: هو الذي يذبح، وهو الذي يقطع الأجزاء، وهو الذي يفرقها، وهو الذي ينادي عليها بنفسه فتتجمع بقدرة الله ويأتين سعيا كما كن من قبل، فإذا كنت أقدرت ما لا يقدر على القدرة ألا أقدر أنا عليها؟ والعرش هو سمة استتباب الملك والسيطرة على الحكم والاستيلاء عليه، وليس من الضروري أن يقعد على العرش بالفعل، لذلك لما تكلم الهدهد عن ملكة سبأ قال:
وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم
[النمل: 23] لأن الملك لا يقعد على العرش إلا عندما تستقر له الأمور، وتدين له البلاد، فإن كانت هناك منطقة معترضة أو مشاغبة للملك تفرغ لها حتى تدين له، وعندها يستقر له الملك. ولما تكلم الحق سبحانه عن استوائه على العرش قال سبحانه:
قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين * فقضهن سبع سموت في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها..