13.7
قوله تعالى ﴿ إنمآ أنت منذر ﴾. أي إنما عليك البلاغ والإنذار، أما هداهم وتوفيقهم فهو بيد الله تعالى، كما أن حسابهم عليه جل وعلا. وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله
ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء
البقرة 272، وقوله
فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب
الرعد 40 ونحو ذلك من الآيات. قوله تعالى ﴿ ولكل قوم هاد ﴾. أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن المراد بالقوم الأمة، والمراد بالهادي الرسول، كما يدل به قوله تعالى
ولكل أمة رسول
يونس 47 الآية. وقوله
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير
فاطر 24، وقوله
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا
النحل 36 الآية. وقد أوضحنا أقوال العلماء وأدلتها في هذه الآية الكريمة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب.
13.8
قوله تعالى ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾. لفظة ما في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي يعلم الذي تحمله كل أنثى وعلى هذا فالمعنى يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة، وخداج، وحسن، وقبح، وطول وقصر، وسعادة وشقاوة إلى غير ذلك من الأحوال. وقد دلت على هذا المعنى آيات من كتاب الله، كقوله
ويعلم ما في الأرحام
لقمان 34. لأن ما فيه موصولة بلا نزاع، وكقوله
هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم
النجم 32، وقوله
هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء
آل عمران 6 الآية. ويحتمل أيضا أن تكون لفظة ما في هذه الآية الكريمة مصدرية، أي يعلم حمل كل انثى بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل أيضا على هذا المعنى، كقوله
وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب
فاطر 11، وقوله
إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه
فصلت 47 الآية. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون لها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن، فنذكر الجميع. وأما احتمال كون لفظة ما في هذه الآية استفهامية، فهو بعيد فيما يظهر لي، وإن قال به بعض اهل العلم، وقد دلت السنة الصحيحة على أن علم ما في الأرحام المنصوص عليه في الآيات المذكورة مما استأثر الله به دون خلقه، وذلك هو ما ثبت في صحيح البخاري من أن المراد بمفاتح الغيب في قوله تعالى
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو
الأعراف 59 الخمس المذكورة في قوله تعالى
إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت
لقمان 34، والاحتمالان المذكوران في لفظة ما من قوله ﴿ يعلم ما تحمل ﴾ الآية، جاريان أيضا في قوله ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ الرعد8، فعلى كونها موصولة فيهما، فالمعنى يعلم الذي تنقصه وتزيده، وعلى كونها مصدرية، فالمعنى يعلم نقصها وزيادتها. واختلف العلماء في المراد بقوله ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ وهذه أقوالهم في الآية بواسطة نقل " صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور " أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ قال " هي المرأة ترى الدم في حملها ". وأخرج ابن ابي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال " خروج الدم " ﴿ وما تزداد ﴾ قال " استمساكه ".
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال " أن ترى الدم في حملها " ﴿ وما تزداد ﴾ قال " في التسعة أشهر ". وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ قال " ما تزداد على التسعة وما تنقص من التسعة ". وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال " ما دون تسعة أشهر ﴿ وما تزداد ﴾ فوق التسعة ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ يعني " السقط " ﴿ وما تزداد ﴾ يقول " ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ومنهن من تحمل تسعة أشهر ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى ". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال " ما دون التسعة أشهر فهو غيض وما فوقها فهو زيادة ". واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال " ما غاضت الرحم بالدم يوما إلا زاد في الحمل يوما حتى تكمل تسعة أشهر طاهرا ". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ﴿ وما تغيض الأرحام ﴾ قال " السقط " وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال " إذا رأت الدم هش الولد وإذا لم تر الدم عظم الولد " اه " من الدر المنثور في التفسير بالمأثور ". وقيل الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد كنقصان إصبع وغيرها وزيادة إصبع وغيرها. وقيل الغيض انقطاع دم الحيض وما تزداد بدم النفاس بعد الوضع. ذكر هذين القولين القرطبي وقيل تغيض تشتمل على واحد وتزداد تشتمل على توأمين فأكثر. قال مقيده - عفا الله عنه مرجع هذه الأقوال كلها إلى شيء واحد وهو أنه تعالى عالم بما تنقصه الأرحام وما تزيده لأن معنى تغيض تنقص وتزداد أي تأخذه زائدا فيشمل النقص المذكور نقص العدد ونقص العضو من الجنين ونقص جسمه إذا حاضت عليه فتقلص ونقص مدة الحمل بأن تسقطه قبل أمد حمله المعتاد، كما أن الازدياد يشمل زيادة العضو وزيادة العدد وزيادة جسم الجنين إن لم تحض وهي حامل وزيادة أمد الحمل عن القدر المعتاد، والله جل وعلا يعلم ذلك كله والآية تشمله كله.