تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تلك هي نصوص القرآن في حسن معاملة اليتيم وعدم الإساءة إليه، مما يفصل مجمل قوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر ﴾.

لا بكلمة سديدة ولا بحرمانه من شيء يحتاجه، ولا بإتلاف ماله، ولا بالتحيل على أكله وإضاعته، ولا بشيء بالكلية، لا في نفسه ولا في ماله.

والأحاديث من السنة على ذلك عديدة بالغة مبلغها في حقه، وكان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس به وأشفقهم عليه، حتى قال:

" أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين -يشير إلى السبابة والوسطى- وفرج بينهما "

رواه البخاري وأبو داود والترمذي.

وفي رواية أبي هريرة عند مسلم ومالك:

" كافل اليتيم له أو لغيره "

أي قريب له أو بعيد عنه.

وعن أحمد والطبراني مرفوعا:

" من ضم يتيما من بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه، وجبت له الجنة "

قال المنذري: رواه أحمد، محتج بهم إلا علي بن زيد.

وعن ابن ماجه عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال:

" خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم، يحسن إليه. وشر بيت في المسلمين، بيت فيه يتيم يساء إليه ".

وجاء عند أبي داود ما هو أبعد من هذا وذلك، حتى إن الأم لتعطل مصالحها من أجل أيتامها، في قوله صلى الله عليه وسلم

" أنا وامرأة الخدين كهاتين يوم القيامة - وأومأ بيده - يزيد بن زربع - بفتح الزاي وإسكان الباء - بالوسطى والسبابة امرأة آمت زوجها - بألف ممدودة وميم مفتوحة وتاء - أصبحت أيما، بوفاة زوجها - ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا ".

وجعله الله دواء لقساوة القلب، كما روى أحمد ورجاله الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال:

" امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين ".

وهنا يتجلى سر لطيف في مثالية التشريع الإسلامي، حيث يخاطب الله تعالى أفضل الخلق وأرحمهم، وأرأفهم بعباد الله، الموصوف بقوله تعالى:

بالمؤمنين رءوف رحيم

[التوبة: 128]، وبقوله:

وإنك لعلى خلق عظيم

[القلم: 4]، ليكون مثالا مثاليا في أمة قست قلوبها وغلظت طباعها، فلا يرحمون ضعيفا، ولا يؤدون حقا إلى من قوة يدينون لمبدأ " من عز بز، ومن غلب استلب " يفاخرون بالظلم ويتهاجون بالأمانة، كما قال شاعرهم:

قبيلة لا يخفرون بذمة

ولا يظلمون الناس حبة خردل

ويقول حكيمهم:

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه

يهدم ومن لم يظلم الناس يظلم

قوم يئدون بناتهم، ويحرمون من الميراث نساءهم، يأكلون التراث أكلا لما، ويحبون المال حبا جما، فقلب مقاييسهم وعدل مفاهيمهم، فألان قلوبهم ورقق طباعهم، فلانوا مع هذا الضعيف وحفظوا حقه.

وحقيقة هذا التشريع الإلهي الحكيم منذ أربعة عشر قرنا تأتي فوق كل ما تتطلع إليه آمال الحضارات الإنسانية كلها، مما يحقق كمال التكامل الاجتماعي بأبهى معانيه، المنوه عنه في الآية الكريمة

وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا

[النساء: 9]، فجعل كافل اليتيم اليوم، إنما يعمل حتى فيما بعد لو ترك ذرية ضعافا، وعبر هنا عن الأيتام بلازمهم وهو الضعف إبرازا لحاجة اليتيم إلى الإحسان، بسبب ضعفه فيكونون موضع خوفهم عليهم لضعفهم، فليعاملوا الأيتام تحت أيديهم، كما يحبون أن يعامل غيرهم أيتامهم من بعدهم.

وهكذا تضع الآية أمامنا تكافلا اجتماعيا في كفالة اليتيم، بل إن اليتيم نفسه، فإنه يتيم اليوم ورجل الغد، فكما تحسن إليه يحسن هو إلى أيتامك من بعدك، وكما تدين تدان، فإن كان خيرا كان الخير بالخير والبادئ أكرم، وإن شرا كان بمثله والبادئ أظلم.

ومع هذا الحق المتبادل، فإن الإسلام يحث عليه ويعني به، ورغب في الإحسان إليه وأجزل المثوبة عليه، وحذر من الإساءة عليه، وشدد العقوبة فيه.

وقد يكون فيما أوردناه إطالة، ولكنه وفاء بحق اليتيم أولا، وتأثر بكثرة ما يلاقيه اليتيم ثانيا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٣٤