والله لن يصلوا إليك بجمعهم
حتى أوسد في التراب دفينا
وذكر ابن هشام في رعاية عمه له، أنه كان إذا جن الليل وأرادوا أن يناموا، تركه مع أولاده ينامون، حتى إذا أخذ كل مضجعه، عمد عمه إلى واحد من أبنائه، فأقامه وأتى بمحمد صلى الله عليه وسلم ينام موضعه، وذهب بولده ينام مكان محمد صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان هناك من يريد به سوءا فرأى مكانه في أول الليل، ثم جاء من يريده بسوء وقع السوء بابنه، وسلم محمد صلى الله عليه وسلم، كما فعل الصديق رضي الله عنه عند الخروج إلى الهجرة في طريقهما إلى الغار، فكان رضي الله عنه تارة يمشي أمامه صلى الله عليه وسلم، وتارة يمشي وراءه، فسأله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:
" أذكر الرصيد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك، فقال: أتريد لو كان سوء يكون بك يا أبا بكر؟ قال: بلى، فداك أبي وأمي يا رسول الله، ثم قال: إن أهلك أهلك وحدي، وإن تهلك تهلك معك الدعوة "
فذاك عمه في جاهلية وليس على دينه صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
93.4
خير تأتي مصدرا كقوله: إن ترك خيرا أي مالا كثيرا، وتأتي أفعل تفضيل محذوفة الهمزة، وهي هنا أفعل تفضيل بدليل ذكر المقابل، وذكر حرف من، مما يدل على أنه سبحانه أعطاه في الدنيا خيرات كثيرة، ولكن ما يكون له في الآخرة فهو خير وأفضل مما أعطاه في الدنيا، ويوهم أن الآخرة خير له صلى الله عليه وسلم وحده من الأولى، ولكن جاء النص على أنها خير للأبرار جميعا، وهو قوله تعالى:
وما عند الله خير للأبرار
[آل عمران: 198].
وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان الخيرية للأبرار عند الله، أي يوم القيامة بما أعد لهم، كما في قوله:
إن الأبرار لفي نعيم
[الانفطار: 13]، وقوله:
إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا
[الإنسان: 5].
أما بيان الخيرية هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيان الخير في الدنيا أولا، ثم بيان الأفضل منه في الآخرة.
أما في الدنيا المدلول عليه بأفعل التفضيل، أي لدلالته على اشتراك الأمرين في الوصف، وزيادة أحدهما على الآخر، فقد أشار إليه في هذه السورة والتي بعدها، ففي هذه السورة قوله تعالى:
ألم يجدك يتيما فآوى
[الضحى: 6]، أي منذ ولادته ونشأته، ولقد تعهده الله سبحانه من صغره فصانه عن دنس الشرك، وطهره وشق صدره ونقاه، وكان رغم يتمه سيد شباب قريش، حيث قال عمه عند خطبته خديجة لزواجه بها فقال:
" فتى لا يعادله فتى من قريش، حلما وعقلا وخلقا، إلا رجح عليه ".
وقوله:
ووجدك ضآلا فهدى * ووجدك عآئلا فأغنى
> [7- 8].
على ما سيأتي بيانه كله، فهي نعم يعددها تعالى عليه، وهي من أعظم خيرات الدنيا من صغره إلى شبابه وكبره، ثم اصطفائه بالرسالة، ثم حفظه من الناس، ثم نصره على الأعداء، وإظهار دينه وإعلاء كلمته.
ومن الناحية المعنوية ما جاء في السورة بعدها:
ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك
[الانشراح: 1-4].
أما خيرية الآخرة على الأولى، فعلى حد قوله:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى: 5]، وليس بعد الرضى مطلب، وفي الجملة: فإن الأولى دار عمل وتكليف وجهاد، والآخرة دار جزاء وثواب وإكرام، فهي لا شك أفضل من الأولى.