تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنبيه

ليس من باب الإساءة إلى اليتيم تأديبه والحزم معه، بل ذلك من مصلحته كما قيل:

قس ليزدجروا ومن يك حازما

فليقس أحيانا على من يرحم

وقوله:

﴿ وأما السآئل فلا تنهر ﴾ [10]، قالوا: السائل الفقير والمحتاج، يسأل ما يسد حاجته وهو مقابل لقوله:

ووجدك عآئلا فأغنى

[الضحى: 8]، أي فكما أغناك الله وبدون سؤال، فإذا أتاك سائل فلا تنهره، ولو في رد الجواب بالتي هي أحسن.

ومعلوم: أن الجواب بلطف، قد يقوم مقام العطاء في إجاية السائل، وكان صلى الله عليه وسلم إذا لم يجد ما يعطيه للسائل يعده وعدا حسنا لحين مسيره، أخذا من قوله تعالى:

وإما تعرضن عنهم ابتغآء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا

[الإسراء: 28].

وقد أورد الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، بيتين عند هذه الآية في هذا المعنى، هما قول الشاعر:

إن لم تكن ورق يوما أجود بها

للسائلين فإني لين العود

لا يعدم السائلون الخير من خلقي

إما نوالي وإما حسن مردود

فليسعد النطق إن لم يسعد المال.

وقيل: السائل المستفسر عن مسائل الدين والمسترشد، وقالوا هذا مقابل قوله: ﴿ ووجدك ضآلا فهدى ﴾ [الضحى: 7]، أي لا تنهر مستغنيا ولا مسترشدا، كقوله تعالى:

عبس وتولى أن جآءه الأعمى

[عبس: 1-2].

وقد كان صلى الله عليه وسلم رحيما شفيقا على الجاهل حتى يتعلم، كما في

" قصة الأعرابي الذي بال في المسجد حين صاح به الصحابة فقال لهم " لا تزرموه، إلى أن قال الأعرابي: اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا أبدا "

وكالآخر الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: " هلكت وأهلكت، واقعت أهلي في رمضان، حتى كان من أمره أن أعطاه فرقا من طعامه يكفر به عن ذنبه، فقال: أعلى أفقر منا يا رسول الله؟ فقال:

" قم فأطعمه أهلك ".

وقد كان صلى الله عليه وسلم يقف للمرأة في الطريق يصغي إليها حتى يضيق من معه وهو يصبر لها ولم ينهرها، بل يجيبها على أسئلتها.

وقد حث صلى الله عليه وسلم على إكرام طلب العلم، وبين أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، وأن الحيتان في البحر لتستغفر له رضى بما يصنع.

وقوله: ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث ﴾ [11]: النعمة كل ما أنعم الله به على العبد، وهي كل ما ينعم به العبد من مال وعافية وهداية ونصرة من النعومة واللين، فقيل: المراد بها المذكورات والتحدث بها شكرها عمليا من إيواء اليتيم كما آواه الله، وإعطاء السائل كما أغناه الله، وتعليم المسترشد كما علمه الله، وهذا من شكر النعمة، أي كما أنعم الله عليك، فتنعم انت على غيرك تأسيا بفعل الله معك.

وقيل: التحدث بنعمة الله هو التبليغ عن الله من آية وحديث، والنعمة هنا عامة لتنكيرها وإضافتها، كما في قوله تعالى:

وما بكم من نعمة فمن الله

[النحل: 53]، أي كل نعمة، ولكن الذي يظهر أنها في الوحي أظهر أو هو أولى بها، أو هو أعظمها، لقوله تعالى:

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا

[المائدة: 3]، فقال: نعمتي، وهنا نعمة ربك. ولا يبعد عندي أن يكون صلى الله عليه وسلم إنما نحر مائة ناقة في حجة الوداع، لما أنزل الله عليه هذه الآية، ففعل شكرا لله على إتمام النعمة بإكمال الدين.

وقد قالوا في مناسبة هذه السورة بما قبلها: إن التي قبلها في الصديق

وسيجنبها الأتقى * الذى يؤتي ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * إلا ابتغآء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى

[الليل: 17-21]، وهنا في الرسول صلى الله عليه وسلم

ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى

[الضحى: 3-5]، مع الفارق الكبير في العطاء والخطاب.

والواقع أن مناسبات السور القصار، أظهر من مناسبات الآي في السورة الواحدة، كما بين هاتين السورتين والليل مع والضحى، ثم ما بين الضحى وألم نشرح، إنها تتمة النعم التي يعددها الله تعالى على رسوله.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٥٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٥٣٥