ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك
[الانشراح: 1-4]. لأنها نعم معنوية، انفرد بها صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.
93.9-11
مجيء الفاء هنا مشعر، إما بتفريغ وهذا ضعيف، وإما بإفصاح عن تعدد، وقد ذكر الجمل بتقدير، مهما يكن من شيء.
وقد ساق تعالى هنا ثلاث مسائل: الأولى معاملة الأيتام فقال: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر ﴾ ، أي كما آواك والله فآوه، وكما أكرمك فأكرمه.
وقالوا: قهر اليتيم أخذ ماله وظلمه.
وقيل: قرء بالكاف " تكهر " ، فقالوا: هو بمعنى القهر إلا أنه أشد.
وقيل: هو بمعنى عبوسة الوجه، والمعنى أعم، كما قال صلى الله عليه وسلم:
" اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال "
، فالقهر أعم من ذلك.
وبالنظر في نصوص القرآن العديدة في شأن اليتيم، والتي زادت على العشرين موضعا، فإنه يمكن تصنيفها إلى خمسة أبواب كلها تدور حول دفع المضار عنه، وجلب المصالح له في ماله وفي نفسه، فهذه أربعة، وفي الحالة الزوجية، وهي الخامسة. أما دفع المضار في ماله، ففي قوله تعالى:
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن
[الأنعام: 152]، جاءت مرتين في سورة الأنعام والأخرى في سورة الإسراء، وفي كل من السورتين ضمن الوصايا العشر المعروفة في سورة الأنعام، بدأت بقوله تعالى:
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا
[الأنعام: 151].
وذكر قتل الولد وقربان الفواحش وقتل النفس ثم مال اليتيم. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن.
ويلاحظ أن النهي منصب على مجرد الاقتراب من ماله إلا بالتي هي أحسن، وقد بين تعالى التي هي أحسن بقوله:
ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف
[النساء: 6].
وقد نص الفقهاء على أن من ولي مال اليتيم واستحق أجرا، فله الأقل من أحد أمرين: إما نفقته في نفسه، وإما أجرته على عمله، أي إن كان العمل يستحق أجرة ألف ريال، ونفقته يكفي لها خمسمائة أخذ نفقته فقط، وإن كان العمل يكفيه أجرة مائة ريال، ونفقته خمسمائة أخذ أجرته مائة فقط، حفظا لماله.
ثم بعد النهي عن اقتراب مال اليتيم ذلك، فقد تتطلع بعض النفوس إلى فوارق بسيطة من باب التحيل أو نحوه، من استبدال شيء مكان شيء، فيكون طريقا، لاستبدال طيب بخبيث، فجاء قوله تعالى:
وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا
[النساء: 2].
والحوب: أعظم الذنب، ففيه النهي عن استبدال طيب ماله، بخبيث مال الولي أو غيره حسدا له على ماله، كما نهى عن خلط ماله مع مال غيره كوسيلة لأكله مع مال الغير، وهذا منع للتحيل وسد الذريعة، حفظا لماله.
ثم يأتي الوعيد الشديد في صورة مفزعة في قوله تعالى:
إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا
[النساء: 10].
وقد اتفق العلماء: أن الآية شملت في النهي عن أكل أموال اليتامى كل ما فيه إتلاف أو تفويت سواء كان بأكل حقيقة أو باختلاس أو بإحراق أو إغراق، وهو المعروف عند الأصوليين بالإلحاق بنفي الفارق، إذ لا فرق في ضياع مال اليتيم عليه، بين كونه بأكل أو إحراق بنار أو إغراق في ماء حتى الإهمال فيه، فهو تفويت عليه وكل ذك حفظا لماله.
وأخيرا، فإذا تم الحفاظ على ماله لم يقربه إلا بالتي هي أحسن، ولم يبدله بغيره أقل منه، ولم يخلطه بماله ليأكله عليه، ولم يعتد عليه بأي إتلاف كان محفوظا له، إلى أن يذهب يتمه ويثبت رشده، فيأتي قوله تعالى:
وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا
[النساء: 6].
ثم أحاط دفع المال إليه بموجبات الحفظ بقوله في آخر الآية: