71.21
قوله تعالى: ﴿ واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ﴾.
ينص تعالى هنا أن قوم نوح اتبعوا من هذا وصفه مع أن المال يزيد الإنسان نفعا. وقد بين تعالى أن المال فعلا قد يورث خسارة، وهلاكا كما في قوله تعالى:
إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى
[العلق: 6-7] أي بالطغيان يكون إهلاكا.
71.26-27
في هذه نص على أن نبي الله نوحا طلب من الله إهلاك من على الأرض جميعا، مع أن عادة الرسل الصبر على أممهم، وفيه إخبار نبي الله نوح عمن سيولد من بعد، وأنهم لم يلدوا إلا فاجرا كفارا، فكيف دعا على قومه هذا الدعاء وكيف حكم على المواليد فيما بعد؟
والقرآن الكريم بين هذين الأمرين:
أما الأول: فإنه لم يدع عليهم هذا الدعاء إلا بعد أن تحدوه ويئس منهم، أما تحديهم ففي قولهم:
ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنآ
[هود: 32].
وقوله:
كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر
[القمر: 9-10].
وأما يأسه منهم فلقوله تعالى:
وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن
[هود: 36].
وأما إخباره عمن سيولد بأنه لن يولد لهم إلا فاجر كفار، فهو من مفهوم الآية المذكورة آنفا، لأنه إذا لم يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فسواء في الحاضر أو المستقبل.
وكذلك بدليل الاستقراء، وهو دليل معتبر شرعا وعقلا، وهو أنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما وما آمن معه إلا قليل كانوا هم ومن معهم غيرهم حمل سفينة فقط، فكان دليلا على قومه أنهم فتنوا بالمال ولم يؤمنوا له، وهو دليل نبي الله موسى عليه السلام أيضا على قومه.
كما قال تعالى:
ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم
[يونس: 88].
فأخبر نبي الله موسى عن قومه أنهم لن يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، وذلك من استقراء حالهم في مصر لما أراهم الآية الكبرى
فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 21-24].
وبعد ان ابتلاهم الله بما قص علينا في قوله:
فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين
[الأعراف: 133].
وقوله تعالى بعدها:
ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون
[الأعراف: 134-135].
فمن كانت هذه حالته وموسى يعاين ذلك منهم، لا شك أنه يحكم عليهم أنهم لن يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
وكذلك كان دليل الاستقراء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه استدل به على عكس الأقوام الآخرين، حينما رجع من الطائف وفعلت معه ثقيف ما فعلت فأدموا قدميه، وجاءه جبريل ومعه ملك الجبال واستأذنه في أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال:
" لا، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، إني لأرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله "
وذلك أنه صلى الله عليه وسلم علم باستقراء حالهم أنهم لا يعلمون فهم يمتنعون عن الإيمان لقلة تعلمهم وأنهم في حاجة إلى التعليم.
فإذا علموا تعلموا، وأن طبيعتهم قابلة للتعليم لا أنهم كغيرهم في إصرارهم، لأنه شاهد من كبارهم إذا عرض عليهم القرآن وخوطبوا بخطاب العقل ووعوا ما يخاطبون به وسلموا من العصبية والنوازع الأخرى فإنهم يستجيبون حالا كما حدث لعمر وغيره رضي الله عنهم إلا من أعلمه الله بحاله مثل الوليد بن المغيرة
ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا
[المدثر: 11-14] - إلى قوله -
كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا
[المدثر: 16-17] - إلى قوله -