تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

71.15-18

في هذه الآية مع ما قبلها ثلاثة براهين من براهين البعث الأربعة التي كثر مجيئها في القرآن.

الأولى: خلق الإنسان

قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة

[يس: 79].

والثانية: خلق السماوات والأرض:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس

[غافر: 57].

والثالثة: إحياء الأرض بعد موتها

فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت

[الحج: 5]،

إن الذي أحياها لمحى الموتى

[فصلت: 39].

والرابع: الذي لم تذكر هنا هو إحياء الموتى بالفعل، كقتيل بني إسرائيل،

فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى

[البقرة: 73].

وقد تقدم تفصيل ذلك في أكثر من موضع للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، وهنا سياق هذه البراهين للرد على المكذبين بالبعث، ولكن في هذا السياق إشكال فيما يبدو كبير وهو قوله تعالى:

ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا

[نوح: 15].

وإذا كان السياق للاستدلال بالمعلوم المشاهد على المجهول الغيبي، فإن خلق الإنسان أطوارا محسوس مشاهد ومسلم به، وإنبات الإنسان من الأرض بإطعامه من نباتها وإحيائها بعد موتها واهتزازها وإنباتها النبات أمر محسوس.

ويمكن أن يقال للمخاطب: كما شاهدت خلق الإنسان من عدم وتطوره أطوارا، وشاهدت إحياء الأرض الميتة، فإن الله الذي خلقك وأحيا لك الأرض الميتة قادر على أن يعيدك ويخرجك منها إخراجا.

ولكن كيف تقول: وكما شاهدت خلق السماوات سبعا طباقا فإن القادر على ذلك قادر على بعثك. والحال أن الإنسان لم يشاهد خلق السموات سبعا طباقا، ولا رأى كيف خلقها الله سبعا طباقا، والإشكال هنا هو كيف قيل لهم: ﴿ ألم تروا كيف ﴾.

والكيف للحال والهيئة، وهم لم يشاهدوها كما قال تعالى:

مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم

[الكهف: 51].

وكيف يستدلون بالمجهول عندهم على المغيب عنهم؟

وهنا تساءل ابن كثير تساؤلا واردا، وهو قوله: ﴿ طباقا ﴾ أي واحدة فوق واحدة، وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ أو هو من الأمور المدركة بالحس، مما علم من التسيير والكسوفات. وأظنه يعني التسيير من السير، فإن الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضا، فأدناها القمر في السماء الدنيا وذكر الكواكب السبعة في السماوات السبع، وكلام أهل الهيئة ولم يتعرض للإشكال بحل يركن إليه.

وقال القرطبي: قوله تعالى: ﴿ ألم تروا ﴾ كيف على جهة الاخبار لا المعاينة.

كما تقول: ألم تر كيف فعلت بفلان كذا؟

وعلى كلام القرطبي يرد السؤال الأول، إذا كان ذلك على جهة الإخبار، فكيف يجعل الخبر دليلا على خبر آخل لا يدرك إلا بالسمع؟

والجواب عن ذلك مجملا مما تشير إليه آيات القرآن الكريم كالآتي:

أولا: أن تساؤل ابن كثير هل يتلقى ذلك من جهة السمع فقط؟ أو هو من الأمور المدركة بالحس، لا محل له لأنه لا طريق إلا النقل فقط، كما قال تعالى:

مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم

[الكهف: 51] أي آدم. فلم نعلم كيف خلق ولا كيف سارت الروح في جسم جماد صلصال، فتحول إلى جسم حساس نام ناطق.

وأما قول القرطبي: إنه على جهة الإخبار لا المعاينة، فهو الذي يشهد له القرآن.

ويجيب القرآن على السؤال الوارد عليه، وذلك في قوله تعالى:

قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود

[فصلت: 9-13].

لأن الله تعالى خاطب هنا الكفار قطعا لقوله:

قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين

[فصلت: 9].

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٣٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٣٧٨