سأصليه سقر
[المدثر: 26] فعلم صلى الله عليه وسلم حاله ومآله، ولذا فقد دعا عيله يوم بدر.
ومثله أبو لهب لما تبين حاله بقوله تعالى:
سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب
[المسد: 3-4] فلكون العرب أهل فطرة، ولكون الإسلام دين الفطرة أيضا كانت الاستجابة إليه أقرب.
انظر مدة مكثه صلى الله عليه وسلم من البعثة إلى انتقاله إلى الرفيق الأعلى ثلاثا وعشرين سنة، كما عدد من أسلم فيها بينما نوح عليه السلام يمكث ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يؤمن معه إلا القليل.
ولذا كان قول نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام
ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا
[نوح: 27]، كان بدليل الاستقراء من قومه، والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى:
وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا
[نوح: 26]، لم يبين هنا هل استجيب له أم لا؟ وبينه في مواضع أخر منها قوله:
ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له
[الأنبياء: 76].
وفي هذه السورة نفسها وقبل هذه الآية مباشرة قوله تعالى:
مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا
[نوح: 25] فجمع الله لهم أقصى العقوبتين الإغراق والإحراق، مقابل أعظم الذنبين الضلال والإضلال.
وكذلك بين تعالى كيفية إهلاك قومه ونجاته هو وأهله ومن معه في قوله:
فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا
[القمر: 10-14] الآية.
قال ابن كثير: لقد أغرق الله كل من على وجه الأرض من الكفار، حتى ولد نوح من صلبه. وهنا تنبيه على قضية ولد نوح في قوله:
يبني اركب معنا
[هود: 42] إلى قوله:
فكان من المغرقين
[هود: 43] لما أخذت نوحا العاطفة على ولده قال:
رب إن ابني من أهلي
[هود: 45] إلى قوله:
إنه ليس من أهلك
[هود: 46] أثار بعض الناس تساؤلا حول ذلك في قراءة
إنه عمل غير صالح
[هود: 46]، إنه عمل ماضي يعمل أي بكفره.
وتساءلوا حول صحة نسبه، والحق أن الله تعالى قد عصم نساء الأنبياء إكراما لهم، وأنه ابنه حقا، لأنه لما قال
إن ابني من أهلي
[هود: 45] تضمن هذا القول أمرين نسبته إليه في بنوته.
ثانيا: نسبته إليه في أهله، فكان الجواب عليه من الله بنفي النسبة الثانية لا الأولى، إنه ليس من أهلك. ولم يقل: إنه ليس ابنك، والأهل أعم من الابن، ومعلوم أن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، والعكس بالعكس، فلما نفى نسبته إلى أهله علمنا أن نسبته إليه بالبنوة باقية، ولو لم يكن ابنه لصلبه لكان النفي ينصب عليها.
ويقال: إنه ليس ابنك، وإذا نفى عنه البنوة انتفت عنه نسبته إلى أهله، وكذلك قوله تعالى بعدها:
ولا تخاطبني في الذين ظلموا
[هود: 37] أي لأن الظالمين ليسوا من الأهل بالنسبة للدين، لأن الدين يربط البعيدين، والظلم الذي هو بمعنى الكفر يفرق القريبين. والعلم عند الله تعالى.