تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين

[التحريم: 11] فتبرأت الزوجة من زوجها، وهذا التأسي قد بين تمام البيان معنى قوله تعالى:

لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم

[الممتحنة: 3] أي ولا آباؤكم ولا أحد من أقربائكم، يوم القيامة يفصل بينكم، وقول إبراهيم لأبيه ﴿ ومآ أملك لك من الله من شيء ﴾ [الممتحنة: 4] بينه ما قدمنا من أن الإسلام ليس فيه تبعية، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وكل نفس بما كسبت رهينة.

وقوله:

يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا

[الأنعام: 158]، وقوله:

يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله

[الانفطار: 19].

وقد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى عليه محاضرة في (كنو بنيجريا) في مجتمع فيه من يتعلق ببعض الأشخاص في اعتقاداتهم، فعرض هذا الموضوع، وبين عدم استطاعة أحد نفع أحد فكان لها وقع عظيم الأثر في النفوس، ولعل الله ييسر طبعها مع طبع جميع محاضراته في تلك الرحلة الميمونة.

مسألة

جعل بعض المفسرين هذه الآية دليلا على أن شرع من قبلنا شرع لنا بدليل التأسي بإبراهيم عليه السلام والذين معه، وتحقيق هذه المسألة في كتب الأصول، وهذه الآية وإن كانت دالة في الجملة على أن شرع من قبلنا شرع لنا، إلا أنها ليست نصا في محل النزاع.

وقد قسم الشيخ رحمة الله تعالى عليه، حكم المسألة إلى ثلاثة أقسام:

قسم هو شرع لنا قطعا، وهو ما جاء في شرعنا أنه شرع لنا كآية الرجم، وكهذه الآية في العداوة والموالاة، وإما ليس بشرع لنا قطعا كتحريم العمل يوم السبت، وتحريم بعض الشحوم.

إلخ.

وقسم ثالث: وهو محل النزاع، وهو ما ذكر لنا في القرآن، ولم نؤمر به ولم ننه عنه.

فالجمهور على أنه شرع لنا لذكره لنا، لأنه لو لم يكن شرعا لنا لما كان لذكره لنا فائدة، واستدلوا بقوله تعالى:

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه

[الشورى: 13] وبهذه الآية أيضا، والشافعي يعارض في هذا القسم ويقول: الآية في العقائد لا في الفروع، ويستدل بقوله تعالى:

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا

[المائدة: 48] وعلى هذا التقسيم المذكور، فالآية ليست نصا في محل النزاع، لأننا أمرنا بالتأسي به في معين جاء في شرعنا الأمر به في أول السورة.

تنبيه

يظهر لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم: أن الخلاف بين الشافعي والجمهور يكاد يكون شكليا، وكل محجوج بما حج به الآخر، وذلك كالآتي:

أولا: قوله تعالى: ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ﴾ يدل على وجود شرعة وعلى وجود منهاج، فإذا جئنا لاستدلال الجمهور

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا

[الشورى: 13] لم نجد فيه ذكر المنهاج، ونجد واقع التشريع، أن منهاج ما شرع لنا يغاير منهاج ما شرع لمن قبلنا كما في مشروعية الصيام قال تعالى:

كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم

[البقرة: 183] وهذا يتفق في أصل الشرعة، ولكن جاء ما يبين الاختلاف في المنهاج في قوله تعالى:

أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم

[البقرة: 187] ومعنى ذلك أنه كان محرما، وهو ضمن منهاج من قبلنا وشرعتهم فاتفقنا معهم في الشرعة واختلف منهجنا عن منهجهم بإحلال ما كان منه حراما، وهذا ملزم للجمهور، هكذا بقية أركان الإسلام في الصلاة فهي مشروعة للجميع، كما في قوله تعالى:

أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود

[البقرة: 125]، وقوله:

ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم

[إبراهيم: 37] وقوله عن عيسى

وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا

[مريم: 31]، وغير ذلك.

وفي الحج

ولله على الناس حج البيت

[آل عمران: 97]، وقوله:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٤٧