ثم في أصول الموجودات في الأرض بقوله:
هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29].
وفي أصول الأجناس: الماء والنار والنبات والإنسان، قال:
أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون
[الواقعة: 58-59].
وذكر معه القدرة على الإعدام:
نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين
[الواقعة: 60].
وفي أصول النبات:
أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 63-64].
وفي أصول الماء:
أفرأيتم المآء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون
[الواقعة: 68-69].
وفي أصل تطوير الحياة:
أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون
[الواقعة: 71-72].
وفي جانب الحيوان
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت
[الغاشية: 17] الآية.
ولهذا فقد تمدح تعالى بهذه الصفة، صفة الخلق وصفة آلهة المشركين بالعجز، كما قال تعالى:
خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دآبة وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم
[لقمان: 10] ثم قال:
هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين
[لقمان: 11].
ومعلوم أنها لم تخلق شيئا كما قال تعالى موبخا لهم:
أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون
[الأعراف: 191].
وبين أنهما لا يستويان في قوله:
أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون
[النحل: 17]، ثم بين نهاية ضعفها وعجزها في قوله تعالى:
واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا
[الفرقان: 3] وهذا غاية العجز. كما ضرب لذلك المثل بقوله:
إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب
[الحج: 73] فهم حقا لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولو بقدر الذبابة؟ وهكذا ترى صفة الخلق المتصف بها سبحانه وتعالى أعظم دليل على وحدانية الله تعالى، وهي متضمنة صفة التصوير والعلم لأن لكل مخلوق صورة تخصه؟ ولا يكون ذلك إلا عن علم بالغيب والشهادة، كما تقدم.
وهكذا أيضا كان هذا الدليل أقوى الأدلة على البعث، كما قال تعالى:
أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم
[يس: 77-79] إلى آخر السورة.
وكذلك في قوله تعالى صريحا في ذلك ونصا عليه:
يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج
[الحج: 5] ثم قال تعالى:
ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور
[الحج: 6-7].
ثم بين تعالى أن جاحد هذا الدليل إنما هو مكابر جاهل، ضال مضل، وذلك في قوله بعده مباشرة:
ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد
[الحج: 8-10].
ومن هنا كان أول نداء في المصحف يوجه إلى الناس جميعا بعبادة الله كان لاستحقاقه عبادته وحده، لأنه متصف بصفة الخلق كما قال تعالى:
ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون