تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

59.7

قوله تعالى: ﴿ كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم ﴾.

معنى الدولة والدولة - بضم الدال في الأولى، وفتحها في الثانية: يدور عند المفسرين على معنيين:

الدولة بالفتح: الظفر في الحرب وغيره، وهي المصدر، وبالضم اسم الشيء الذي يتداول من الأموال.

وقال الزمخشري: معنى الآية. كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطي الفقراء، ليكون لهم بلغة يعيشون بها جدا بين الأغنياء يتكاثرون به، أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم.

ومعنى الدولة الجاهلية: أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة، لأنهم أهل الرئاسة والغلبة والدولة، وكانوا يقولون: من عز بز، والمعنى: كيلا يكون أخذه غلبة أثرة جاهلية، ومنه قول الحسن: اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا، يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به. إلخ.

والجدير بالذكر هنا: أن دعاة بعض المذاهب الاقتصادية الفاسدة، يحتجون بهذه الآية على مذهبهم الفاسد ويقولون: يجوز للدولة أن تستولي على مصادر الإنتاج ورؤوس الأموال، لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء، وما يسمونهم طبقة العمال، وهذا على ما فيه من كساد اقتصادي، وفساد اجتماعي، قد ثبت خطؤه، وظهر بطلانه مجانبا لحقيقة الاستدلال.

لأن هذا المال ترك لمرافق المسلمين العامة. من الإنفاق على المجاهدين، وتأمين الغزاة في الحدود والثغور، وليس يعطي للأفراد كما يقولون، ثم - هو أساسا - مال جاء غنيمة للمسلمين، وليس نتيجة كدح الفرد وكسبه.

ولما كان مال الغنيمة ليس ملكا لشخص، ولا هو أيضا كسب لشخص معين. تحقق فيه العموم في مصدره، وهو الغنيمة، والعموم في مصرفه، وهو عموم مصالح الأمة، ولا دخل ولا وجود للفرد فيه، فشتان بين هذا الأصل في التشريع وهذا الفرع في التضليل.

ومن المؤسف أنهم يؤيدون دعواهم بإقحام الحديث في ذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:

" المسلمون شركاء في ثلاثة: الماء والنار والكلأ "

، ومعلوم أن الشركة في هذه الثلاثة - ما دامت على عمومها - فالماء شركة بين الجميع ما دام في مورده من النهر أو البئر العام أو السيل أو الغدير. أما إذا انتقل من مورده العام وأصبح في حيازة ما، فلا شركة لأحد فيه مع من حازه، كمن ملأ إناء من النهر أو السيل ونحوه، فما كان في إنائه فهو خاص به، وهذا الكلأ ما دام عشبا في الأرض العامة - لا في ملك إنسان معين - فهو عام لمن سبق إليه، فإذا ما أحتشه إنسان وحازه، فلا شركة لأحد فيه، وكذلك ما كان منه نابتا في ملك إنسان بعينه فهو أحق به من غيره.

ويظهر ذلك بالحوت في البحر والنهر فهو مشاع للجميع، والطير في الهواء يصاد. فإنه قدر مشترك بين جميع الصيادين، فإذا صاده إنسان فقد حازه واختص به، وهذا أمر تعترف فيه جميع النظم الاقتصادية وتعطي تراخيص رسمية لذلك.

وهناك العمل الجاري في تلك الدول، مما يجعلهم يتناقضون في دعواهم الاشتراك في الماء والنار والكلأ، وذلك في شركات المياه والنور فإنهم يجعلون في كل بيت عدادا يعد جالونات الماء التي استهلكها المنزل ويحاسبونه عليه، وإذا تأخر قطعوا عليه الماء وحرموه من شربه.

وكذلك التيار الكهربائي، فإنه نار، وهو الطاقة الفعالة في المدن فإنهم يقيسونه بعداد يعد الكيلوات، ويبيعونه على المستهلك، فلماذا لا يجعلون الماء والكهرباء، شركة بين المواطنين؟ أم الناس شركاء فيما لا يعود على الدولة، أما حق الدولة فخاص للحكام؟ إنه عكس ما في قضية الفيء تماما.

حيث إن الفيء والغنيمة الذي جعله الله حلالا من مال العدو، وهو كسب عام دخل على الأمة بمجهود الأمة كلها، الماثل في الجيش الذي يقاتل باسمها، وجعله تعالى في مصارف عامة في مصالح الأمة، لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

فلله: أي الجهاد في سبيل الله.

وللرسول لقيامه بأمر الأمة، وكان صلى الله عليه وسلم يأخذ نفقة أهله عاما، وما بقي يرده في سبيل الله.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢١٦