59.18-19
في هذه الآية الكريمة حث على تقوى الله في الجملة، واقترنت بالحث على النظر والتأمل فيما قدمت كل نفس لغد، وتكرر الأمر فيها بتقوى الله، مما يدل على شدة الاهتمام والعناية بتقوى الله على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله، سواء كان التكرار للتأكيد أم كان للتأسيس، وسيأتي بيانه إن شاء الله.
أما الاهتمام بالحث على التقوى، فقد دلت له عدة آيات من كتاب الله تعالى، ولو قيل: إن الغاية من رسالة الإسلام كلها، بل ومن جميع الأديان هو تحصيل التقوى لما كان بعيدا، وذلك للآتي:
أولا: قوله تعالى:
يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون
[البقرة: 21] ومعلوم أنه تعالى ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته، فتكون التقوى بمضمون هاتين الآيتين. هي الغاية من خلق الثقلين الإنس والجن. وقد جاء النص مفصلا في حق كل أمة على حدة، منها في قوم نوح عليه السلام وقال تعالى:
كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون
[الشعراء: 105-108] وفي قوم عاد قال تعالى:
كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون
[الشعراء: 123-126] وفي قوم لوط:
كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون
[الشعراء: 160-163]، وفي قوم شعيب، قوله تعالى:
كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون
[الشعراء: 176-179].
فكل نبي يدعو قومه إلى التقوى كما قدمنا، ثم جاء القرآن كله دعوة إلى التقوى وهداية للمتقين، كما في مطلع القرآن الكريم:
الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين
[البقرة: 1-2]، وبين نوع هذه الهداية المتضمنة لمعنى التقوى بقوله تعالى:
الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون
[البقرة: 3-5].
وقد بين الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - معنى التقوى عند قوله تعالى:
ولكن البر من اتقى
[البقرة: 189].
قال: لم يبين هنا من المتقي، وقد بينه تعالى في قوله:
ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوآ وأولئك هم المتقون
[البقرة: 177].
وقد بينت آيات عديدة آثار التقوى في العاجل والآجل.
منها في العاجل قوله تعالى:
ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا
[الطلاق: 4]، وقوله:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب
[الطلاق: 2-3]، وقوله:
واتقوا الله ويعلمكم الله
[البقرة: 282]، وقوله
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
[النحل: 128].
أما في الآجل وفي الآخرة، فإنها تصحب صاحبها ابتداء إلى أبواب الجنة كما في قوله تعالى:
وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
[الزمر: 73]، فإذا ما دخلوها آخت بينهم وجددت روابطهم فيما بينهم وآنستهم من كل خوف، كما في قوله تعالى
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67]،
يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون
[الزخرف: 68-70] إلى قوله:
لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون
[الزخرف: 73] إلى أن تنتهي بهم إلى أعلى عليين، وتحلهم مقعد صدق، كما في قوله تعالى:
إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر