[طه: 52]،
وما كان ربك نسيا
[مريم: 64].
وقد جاء أيضا: وصف كل من اليهود والنصارى والمشركين بالنسيان في الجملة، ففي اليهود يقول تعالى:
فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به
[المائدة 13].
وفي النصارى يقول تعالى:
ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به
[المائدة: 14].
وفي المشركين يقول تعالى:
الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون
[الأعراف: 51]، فيكون التحذير منصبا أصالة على المنافقين وشاملا معهم كل تلك الطوائف لاشتراكهم جميعا في أصل النسيان.
أما النسيان هنا، فهو بمعنى الترك، وقد نص عليه الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - عند الكلام على قوله تعالى:
ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي
[طه: 115].
فذكر وجهين، وقال: العرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمدا، ومنه قوله تعالى:
قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى
[طه: 126].
فالمراد من هذه الآية الترك قصدا.
وكقوله:
فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون
[الاعراف: 51].
وقوله:
فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا نسيناكم
[السجدة: 14].
وقوله:
ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم
[الحشر: 19] الآية. انتهى.
أما النسيان الذي هو ضد الذكر، وهو الترك عن قصد، فليس داخلا هنا، لأن هذه الأمة قد أعفيت من المؤاخذة عليه، كما في قوله تعالى:
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا
[البقرة: 286]. الآية.
وفي الحديث أن الله تعالى قال:
" قد فعلت قد فعلت "
أي عند ما تلاها صلى الله عليه وسلم.
وجاء في السنة
" إن الله قد تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
وقد بين الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - هذا النوع في دفع إياهم الاضطراب على الجواب عن الإشكال الموجود في نسيان آدم، هل كان عن قصد أو عن غير قصد، وإذا كان عن غير قصد، فكيف يؤاخذ؟. وبين خصائص هذه الأمة في هذا الباب رحمة الله تعالى عليه، فليرجع إليه.
وإذا تبين المراد بالتحذير من مشابهتهم في النسيان، وتبين معنى النسيان، فكيف أنساهم الله أنفسهم؟ وهذه مقتطفات من أقوال المفسرين في هذا المقام لزيادة البيان:
قال ابن كثير رحمه الله: لا تنسوا ذكر الله تعالى فينسيكم العمل الصالح، فإن الجزاء من جنس العمل.
وقال القرطبي: نسوا الله أي تركوا أمره، فأنساهم أنفسهم أن يعملوا لها خيرا.
وقال أبو حيان: الذين نسوا الله هم الكفار تركوا عبادة الله، وامتثال ما أمر واجتناب ما نهى فأنساهم أنفسهم حيث لم يسعوا إليها في الخلاص من العذاب، وهذا من المجازات على الذنب بالذنب.
إلخ.
وقال ابن جرير: تركوا أداء حق الله الذي أوجبه عليهم، وهذا من باب الجزاء من جنس العمل.
أما الزمخشري والفخر الرازي، فقد أدخلا في هذا المعنى مبحثا كلاميا حيث قالا في معنى ﴿ نسوا الله ﴾ [الحشر: 19] كما قال الجمهور، أما في معنى ﴿ فأنساهم أنفسهم ﴾ [الحشر: 19] فذكرا وجهين. الأول: كالجمهور، والثاني: بمعنى، أراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم كقوله تعالى:
لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هوآء
[إبراهيم: 43]، وقوله:
وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد
[الحج: 2] اه.
وهذا الوجه الثاني لا يسلم لهما، لأن ما ذهبا إليه عام في جميع الخلائق يوم القيامة، وليس خاصا بمن نسي الله كما قال تعالى في نفس الآية التي استدلا بها ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ ، فهو عام في جميع الناس.
وقوله:
يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت
[الحج: 2]. والذهول أخو النسيان، وهو هنا عام في كل مرضعة
وتضع كل ذات حمل حملها
[الحج: 2] وهو أيضا عام، وذلك من شدة الهول يوم القيامة، ولعل الحامل لهما على إيراد هذا الوجه مع بيان ضعفه، هو فرارهم من نسبة الإنساء إلى الله، وفيه شبهة اعتزال كما لا يخفى.