تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يليتني كنت ترابا

[النبأ: 40].

والقرائن في الآية منها: اكتنافها بالحث على تقوى الله قبله وبعده.

ومنها: التذييل بالتحذير في قوله: ﴿ إن الله خبير بما تعملون ﴾ أي بالمقاصد في الأعمال وبالظواهر والبواطن، ولأن يوم القيامة هو موضع النسيان، فاحتاج التنبيه عليه.

ويكون التعبير عن يوم القيامة بغد لقرب مجيئه وتحقق وقوعه كقوله تعالى:

اقتربت الساعة وانشق القمر

[القمر: 1]، وقوله:

ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير

[النحل: 77].

ومن ناحية أخرى، فإن الغد لكل إنسان بمعنى يوم القيامة يتحقق بيوم موته، لأنه يعاين ما قدم قدم يوم موته، وقد نكر لفظ نفس وغد هنا، فقيل في الأول لقلة من الناظرين، وفي الثاني لعظم أمره وشدة هوله.

وهنا قد تكرر الأمر بتقوى الله كما أسلفنا مرتين، فقيل للتأكيد، قاله ابن كثير، وقيل للتأسيس، قاله الزمخشري وغيره.

فعلى أنه للتأكيد ظاهر وعلى التأسيس يكون الأول لفعل المأمور والثاني لترك المحظور، مستدلين بمجيء موجب الفعل أولا ﴿ ولتنظر نفس ما قدمت ﴾ ، ومجيء موجب التحذير ثانيا ﴿ إن الله خبير بما تعملون ﴾.

وهذا وإن كان له وجه، ويشهد للتأكيد قوله تعالى:

اتقوا الله حق تقاته

[آل عمران: 102] وإن كانت نسخت بقوله:

فاتقوا الله ما استطعتم

[التغابن: 16] فيدل لمفهومه قوله:

وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا

[التوبة: 102] أي بترك بعض المأمور، وفعل بعض المحظور.

وعليه فلا تحقق التقوى إلا بمراعاة الجانبين، ولكن مادة التقوى وهي اتخاذ الوقاية مما يوجب عذاب الله تشمل شرعا الأمرين معا لقوله تعالى في عموم اتخاذ الوقاية

قوا أنفسكم وأهليكم نارا

[التحريم: 6].

فكان أحد الأمرين بالتقوى يكفي لذلك ويشمله، ويكون الأمر بالتقوى الثاني لمعنى جديد، وفي الآية ما يرشد إليه، وهو قوله تعالى ﴿ ما قدمت ﴾ ، لأن " ما " عامة كما قدمنا وصيغة قدمت على الماضي يكون الأمر بتقوى الله أولا بالنسبة لما مضى وسبق من عمل تقدم بالفعل، ويكون النظر بمعنى المحاسبة والتأمل على معنى الحديث:

" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا "

فقد ذكره ابن كثير.

فإذا ما نظر في الماضي وحاسب نفسه، وعلم ما كان من تقصير أو وقوع في محظور، جاءه الأمر الثاني بتقوى الله لما يستقبل من عمل جديد ومراقبة الله تعالى عليه

والله بما تعملون خبير

[الحديد: 10]، فلا يكون هناك تكرار، ولا يكون توزيع، بل بحسب مدلول عموم " ما " وصيغة الماضي " قدمت " والنظر للمحاسبة.

تنبيه

مجيء " قدمت " بصيغة الماضي حث على الإسراع في العمل، وعدم التأخير، لأنه لم يملك إلا ما قدم في الماضي، والمستقبل ليس بيده، ولا يدري ما يكون فيه،

وما تدري نفس ماذا تكسب غدا

[لقمان: 34] وكما في وقوله:

" حجوا قبل ألا تحجوا "

، وقوله تعالى:

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم

[آل عمران: 133]، وقوله تعالى:

ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون

[الحشر: 19].

بعد الحث على تقوى الله وعلى الاجتهاد في تقديم العمل الصالح ليوم غد جاء التحذير في هذه الآية من النسيان والترك وألا يكون كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ولم يبين هنا من هم الذين حذر من أن يكونوا مثلهم في هذه النسيان، وما هو النسيان والإنساء المذكوران هنا.

وقد نص القرآن على أن الذين نسوا الله هم المنافقون في قوله تعالى في سورة التوبة:

المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون

[التوبة: 67] وهذا عين الوصف الذي وصفوا به في سورة الحشر. وقوله تعالى: ﴿ فنسيهم ﴾ أي أنساهم أنفسهم، لأن الله تعالى لا ينسى

لا يضل ربي ولا ينسى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٢٨