تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولوجود إسناد الإنساء إلى لاشيطان في بعض المواضع كما في قصة صاحب موسى:

ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره

[الكهف: 63]، وكما في قوله تعالى:

وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين

[الأنعام: 68]، وقوله: عن صاحب يوسف:

فأنساه الشيطان ذكر ربه

[يوسف: 42].

ولكن الصحيح عند علماء السلف أن حقيقة النسيان والإنساء والتذكير والتذكر كحقيقة أي معنى من المعاني، وأنها كلها من الله

قل كل من عند الله

[النساء: 78]،

قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا

[التوبة: 51] فما نسب إلى الشيطان فهو بتسليط من الله كما في قوله تعالى:

فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه

[البقرة: 102]، ثم قال:

وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله

[البقرة: 102] فيكون إسناد الإنساء إلى الشيطان من باب قول الخليل عليه السلام

وإذا مرضت فهو يشفين

[الشعراء: 80] تأدبا في الخطاب مع الله تعالى، ولكن هذا المقام مقام إخبار من الله عما أوقعه بهؤلاء الذين نسوا ما أمرهم به فأنساهم، فأوقع عليهم النسيان لأنفسم مجازاة لهم على أعمالهم، فكان نسبته إلى الله وبإخبار من الله عين الحق وهو أقوى من أسلوب المقابلة: نسوا الله فنسيهم.

تنبيهان

الأول: جاء في مثل هذا السياق سواء بسواء قوله تعالى:

وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم هذا

[الجاثية: 34].

وقوله:

فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا نسيناكم

[السجدة: 14].

وقوله:

نسوا الله فنسيهم

[التوبة: 67]، وفي هذا نسبة النسيان إلى الله تعالى فوقع الإشكال مع قوله تعالى:

وما كان ربك نسيا

[مريم: 64] وقوله:

لا يضل ربي ولا ينسى

[طه: 52].

وقد أجاب الشيخ - رحمة الله عليه - عن ذلك في دفع إيهام الاضطراب، بأن النسيان المثبت بمعنى الترك كما تقدم، والمنفي عنه تعالى: هو الذي بمعنى السهو، لأنه محال على الله تعالى.

التنبيه الثاني

مما نص عليه الشيخ - رحمة الله تعالى عليه - في مقدمة الأضواء، أن من أنواع البيان أن يوجد في الآية اختلاف للعلماء وتوجد فيها قرينة دالة على المعنى المراد، وهو موجود هنا في هذه المسألة وهو قوله تعالى:

اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم هذا

[الجاثية: 34] وهذا القول يكون يوم القيامة، وقد عبر عن النسيان بصيغة المضارع وهي للحال أو الاستقبال، ولا يكون النسيان المخبر عنه في الحال إلا عن قصد وإرادة، وكذلك لا يخبر عن نسيان سيكون في المستقبل إلا عن قصد وإرادة، وهذا في النسيان بمعنى الترك عن قصد، أما الذي بمعنى السهو فيكون بدون قصد ولا إرادة، فلا يصح التعبير عنه بصيغة المضارع ولا الإخبار بإيقاعه عليهم في المستقبل، فصح أن كل نسيان نسب إلى الله فهو بمعنى الترك، وكان قوله تعالى: ﴿ فأنساهم أنفسهم ﴾ [الحشر: 19] مفسرا ومبينا لمعنى

اليوم ننساكم

[الجاثية: 34] ولقوله

إنا نسيناكم

[السجدة: 14] والعلم عند الله تعالى.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٣٠