تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[القمر: 54-55].

فتبين بهذا كله منزلة التقوى من التشريع الإسلامي وفي كل شريعة سماوية، وأنها هنا في معرض الحث عليها وتكرارها، وقد جعلها الشاعر السعادة كل السعادة كما في قوله، وهو لجرير:

ولست أرى السعادة جمع مال

ولكن التقي هو السعيد

فتقوى الله خير الزاد ذخرا

وعند الله للأتقى مزيد

والتقوى دائما هي الدافع على كل خير، الرادع عن كل شر، روى ابن كثير في تفسيره عن الإمام أحمد في مجيء قوم من مضر، مجتابي الثمار والعباءة. حفاة عراة متقلدي السيوف. فيتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل ثم خرج، فأمر بالا ينادي للصلاة، فصلى ثم خطب الناس وقرأ قوله تعالى:

يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة

[النساء: 1] إلى آخر الآية، وقرأ الآية التي في سورة الحشر:

يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد

[الحشر: 18] الآية، تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره حتى قال: ولو بشق تمرة، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت ثم تتابع الناس إلى قوله: حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل وجهه كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء "

الحديث.

فكانت التقوى دافعا على سن سنة حسنة تهلل لها وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنها تحول دون الشر، من ذلك قوله تعالى:

وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا

[البقرة: 282]، وقوله:

فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه

[البقرة: 283] فإن التقوى مانعة من بخس الحق ومن ضياع الأمانة، وكقوله عن مريم في طهرها وعفتها لما أتاها جبريل وتمثل لها بشرا سويا:

قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا

[مريم: 18].

وكما في حديث النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، ومنهم الرجل مع ابنة عمه لما قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وترك لها المال.

وهكذا في تصرفات العبد كما في قوله تعالى:

ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب

[الحج: 32].

والخطاب في قوله تعالى:

ولتنظر نفس

[الحشر: 18]، لكل نفس كما في قوله تعالى:

ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون

[البقرة: 281]، وقوله:

ووفيت كل نفس ما كسبت

[آل عمران: 25].

فالنداء أولا بالتقوى لخصوص المؤمنين، والأمر بالنظر لعموم كل نفس، لأن المنتفع بالتقوى خصوص للمؤمنين كما أوضحه الشيخ - رحمة الله عليه - في أول سورة البقرة، والنظر مطلوب من كل نفس فالخصوص للإشفاق، والعموم للتحذير.

ويدل للأول قوله تعالى:

وكان بالمؤمنين رحيما

[الأحزاب: 43].

ويدل للثاني قوله:

يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد

[آل عمران: 30]. وما في قوله تعالى:

ما قدمت

[الحشر: 18] عامة في الخير والشر، وفي القليل والكثير.

ويدل للأول قوله تعالى:

يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا

[آل عمران: 30].

ويدل للثاني قوله تعالى:

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

[الزلزلة: 7-8]، والحديث

" اتقوا النار ولو بشق تمرة "

وغدا تطلق على المستقبل المقابل للماضي، كما قال الشاعر:

واعلم علم اليوم والأمس قبله

ولكنني عن علم ما في غد عم

وعليه أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى عن إخوة يوسف:

أرسله معنا غدا يرتع ويلعب

[يوسف: 12]، وقوله تعالى

ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشآء الله

[الكهف: 23-24].

وتطلق على يوم القيامة كما هنا في هذه الآية لدلالة القرآن على ذلك، من ذلك قوله تعالى في نفس المعنى:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٢٧