تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة، ومن لعنها رسول الله فقد لعنها الله، فقالت له: لعل بعض أهلك يفعله؟ فقال لها: ادخلي وانظري فدخلت بيته ثم خرجت ولم تقل شيئا، فقال لها: ما رأيت؟ قالت: خيرا، وانصرفت.

وجاء الشافعي وقام في أهل مكة. فقال: سلوني يا أهل مكة عما شئتم أجبكم عنه من كتاب الله. فسأله رجل عن المحرم يقتل الزنبور، ماذا عليه في كتاب الله. فقال: يقول الله تعالى: ﴿ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ [الحشر: 7] وقال صلى الله عليه وسلم:

" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين "

الحديث، وحدثني فلان عن فلان، وساق بسنده إلى عمر بن الخطاب، سئل: المحرم يقتل الزنبور ماذا عليه، فقال: لا شيء عليه.

فقد اعتبر سعيد بن المسيب السنة من كتاب الله، والشافعي اعتبر سنة الخلفاء الراشدين من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، واعتبر كل منهما جوابه من كتاب الله بناء على هذه الآية الكريمة.

وهذا ما عليه الأصوليون يخصصون بها عموم الكتاب، ويقيدون مطلقه.

فمن الأول: قوله صلى الله عليه وسلم:

" أحلت لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالكبد والطحال "

فخص بهذا الحديث عموم قوله تعالى:

حرمت عليكم الميتة والدم

[المائدة: 3]، وكذلك في النكاح:

" لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها "

، وخص بها عموم:

وأحل لكم ما وراء ذلكم

[النساء: 24]، ونحوه كثير.

ومن الثاني: قطعه صلى الله عليه وسلم يد السارق من الكوع تقييدا لمطلق

فاقطعوا أيديهما

[المائدة: 38]، وكذلك مسح الكفين في التيمم تقييدا أو بيانا لقوله تعالى:

فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه

[المائدة: 6]، ونحو ذلك كثير، وكذلك بيان المجمل كبيان مجمل قوله تعالى:

وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة

[البقرة: 43] فلم يبين عدد الركعات لكل وقت، ولا كيفية الأداء،

" فصلى صلى الله عليه وسلم على المنبر وهم ينظرون، ثم قال لهم: " صلوا كما رأيتموني أصلي " وحج وقال لهم: " خذوا عني مناسككم ".

وقد أجمعوا على أن السنة أقوال وأفعال وتقرير، وقد ألزم العمل بالأفعال قوله تعالى:

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا

[الأحزاب: 21]، والتأسي يشمل القول والفعل، ولكنه في الفعل أقوى، والتقرير مندرج في الفعل، لأنه ترك الإنكار على أمر ما، والترك فعل والترك فعل عند الأصوليين، كما قال صاحب مراقي السعود.

والترك فعل في صحيح المذهب

تنبيه

تنقسم أفعاله صلى الله عليه وسلم إلى عدة أقسام:

أولا: ما كان يفعله بمقتضى الجبلة، وهو متطلبات الحياة من أكل وشرب ولبس ونوم، فهذا كله يفعله استجابة لمتطلبات الحياة، وكان يفعله قبل البعثة ويفعله كل إنسان، فهو على الإباحة الأصلية، وليس فيه تشريع جديد، ولكن صورة الفعل، وكيفيته ككون الأكل والشراب باليمين إلخ، وكونه من أمام الآكل، فهذا هو موضع التأسي به صلى الله عليه وسلم وكذلك نوع المأكول أو تركه ما لم يكن تركه لمانع كعدم أكله صلى الله عليه وسلم للضب والبقول المطبوخة، وقد بين السبب في ذلك، فالأول: لأنه ليس في أرض قومه فكان يعافه، والثاني لأنه نناجي من لا يناجي، وقد قال صاحب المراقي:

وفعله المركوز في الجبله

كالأكل والشرب فليس مله

من غير لمح الوصف....

ثانيا: ما كان مترددا بين الجبلة والتشيع كوقوفه صلى الله عليه وسلم بعرفة راكبا على ناقته، ونزوله بالمحصب منصرفه من منى. فالوقوف الذي هو ركن الحج يتم بالتواجد في الموقف بعرفة على أية حالة، فهل كان وقوفه صلى الله عليه وسلم راكبا من تمام نسكه. أم أنه صلى الله عليه وسلم فعله دون قصد إلى النسك؟ خلاف بين الأصوليين. ولا يبعد من يقول: قد يكون فعله صلى الله عليه وسلم هذا ليكون أبرز لشخصه في مثل هذا الجمع، تسهيلا على من أراده لسؤال أو رؤية أو حاجة، فيكون تشريعا لمن يكون في منزلته في المسؤولية.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢١٩