[الزخرف: 32] الآية. نسوق نصه لأهميته:
قال رحمه الله: مسألة: دلت هذه الآية الكريمة المذكورة هنا كقوله تعالى: ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم ﴾ الآية. وقوله تعالى:
والله فضل بعضكم على بعض في الرزق
[النحل: 71] الآية. ونحو ذلك من الآيات على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية، لا يستطيع أحد من أهل الأرض ألبتة تبديلها ولا تحويلها بوجه من الوجوه،
فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا
[فاطر: 43] وبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله ولجميع النبوات والرسائل السماوية إلى ابتزاز ثروات الناس ونزع ملكهم الخاص عن أملاكهم، بدعوى المساواة بين الناس في معايشهم، أمر باطل لا يمكن بحال من الأحوال، مع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون. وإنما يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس لينعموا بها ويتصرفوا فيها كيف شاءوا تحت ستار كثيف من أنواع الكذب والغرور والخداع، كما يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم.
فالطغمة القليلة الحاكمة ومن ينضم إليها هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد وغيرهم من عامة الشعب محرومون من كل خير، مظلومون في كل شيء، حتى ما كسبوه بأيديهم، يعلفون ببطاقة كما تعلف البغال والحمير.
وقد علم الله - جل وعلا في سابق علمه - أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس بدعوى أن هذا فقير، وهذا غني، وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك الدعوى، وأوعد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى:
إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا
[النساء: 135] وفي قوله: ﴿ فإن الله كان بما تعملون خبيرا ﴾ وعيد شديد لمن فعل ذلك. انتهى حرفيا.
والحق أن الأرزاق قسمة الخلاق، فهو أرأف بالعباد من أنفسهم، وليس في خزائنه من نقص ولكنها الحكمة لمصلحة عباده، وفي الحديث القدسي:
" إن من عبادي لمن يصلح له الفقر، ولو أغنيته لفسد حاله، وإن من عبادي لمن يصلح له الغنى ولو أفقرته لفسد حاله "
فهو سبحانه يعطي بقدر، ولا يمسك عن قتر.
ويكفي في هذا المقام سياق الآية الكريمة التي تكلم الشيخ رحمة الله تعالى في أسلوبها في قوله تعالى:
نحن قسمنا
[الزخرف: 32] وهذا الضمير معلوم أنه للتعظيم والتفخيم، ومثله الضمير في قسمنا، فلا مجال لتدخل المخلوق، ولا مكان لغير الله تعالى في ذلك. والقسمة إذا كانت من الله تعالى، فلا تقوى قوة في الأرض على إبطالها، ثم إن واقع الحياة يؤيد ذلك بل ويتوقف عليه، كما قال تعالى
ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا
[الزخرف: 32].
وهؤلاء المعتدون على أموال الناس يعترفون بذلك، ويقرون نظام الطبقات عمال وغير عمال. إلخ، فلا دليل في آية سورة الحشر هنا ﴿ كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم ﴾ [الحشر: 7] ولا حق لهم فيما فعلوا في أموال الناس بهذا المبدأ الباطل. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾.
قال الشيخ رحمه الله تعالى في المقدمة: إن السنة كلها مندرجة تحت هذه الآية الكريمة، أي أنها ملزمة للمسلمين العمل بالسنة النبوية، فيكون الأخذ بالسنة أخذا بكتاب الله، ومصداق ذلك قوله تعالى:
وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى
[النجم: 3-4].
وقد قال السيوطي: الوحي وحيان:
وحي أمرنا بكتابته، وتعبدنا بتلاوته، وهو القرآن الكريم.
ووحي لم نؤمر بكتابته، ولم نتعبد بتلاوته وهو السنة.
وقد عمل بذلك سلف الأمة وخلفها، كما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال في مجلسه بالمسجد النبوي: لعن الله في كتابه الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، فقالت امرأة قائمة عنده، وفي كتاب الله؟ قال: نعم، قالت: لقد قرأته من دفته إلى دفته، فلم أجد هذا الذي قلت، فقال لها: لو كنت قرأتيه لوجدتيه، أو لم تقرئي قوله تعالى: ﴿ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ [الحشر: 7].