تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثالثا: ما ثبتت خصوصيته به مثل جواز جمعه بين أكثر من أربع نسوة بالنكاح لقوله تعالى:

يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك

[الأحزاب: 50]، وكن أكثر من أربع، ونكاح الواهبة نفسها لقوله تعالى:

خالصة لك من دون المؤمنين

[الأحزاب: 50] فهذا لا شركة لأحد معه فيه.

رابعا: ما كان بيانا لنص قرآني، كقطعه صلى الله عليه وسلم يد السارق من الكوع بيانا لقوله تعالى

والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما

[المائدة: 38]. وكأعمال الحج والصلاة، فهما بيان لقوله تعالى

وأقيموا الصلاة

[البقرة: 43]، وقوله:

ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا

[آل عمران: 97]، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:

" صلوا كما رأيتموني أصلي "

، وقال:

" خذوا عني مناسككم "

، فهذا القسم حكمه للأمة، حكم المبين بالفتح، ففي الوجوب واجب، وفي غيره بحسبه.

خامسا: ما فعله صلى الله عليه وسلم لا لجبلة ولا لبيان، ولم تثبت خصوصيته له، فهذا على قسمين: أحدهما أن يعلم حكمه بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من وجوب أو ندب أو إباحة، فيكون حكمه للأمة كذلك، كصلاته صلى الله عليه وسلم في الكعبة، وقد علمنا أنها في حقه صلى الله عليه وسلم جائزة، فهي للأمة على الجواز.

ثانيهما: ألا يعلم حكمه بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم، وفي هذا القسم أربعة أقوال:

أولها: الوجوب. عملا بالأحوط، وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية، ورواية عن أحمد.

ثانيهما: الندب، لرجحان الفعل على الترك، وهو قول بعض الشافعية، ورواية عن أحمد أيضا.

ثالثها: الإباحة، لأنها المتيقن، ولكن هذا فيما لا قربة فيه، إذ القرب لا توصف بالإباحة.

رابعها: التوقف، لعدم معرفة المراد، وهو قول المعتزلة، وهذا أضعف الأقوال، لأن التوقف ليس فيه تأس.

فتحصل لنا من هذه الأقوال الأربعة أن الصحيح الفعل تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم وجوبا أو ندبا، ومثلوا لهذا الفعل

" بخلعه صلى الله عليه وسلم نعله في الصلاة، فخلع الصحابة كلهم نعالهم، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم سألهم عن خلعهم نعالهم قالوا: رأيناك فعلت ففعلنا، فقال لهم: " أتاني جبريل وأخبرني أن في نعلي أذى فخلعتها "

، فإنه أقرهم على خلعهم تأسيا به. ولم يعب عليهم مع أنهم لم يعلموا الحكم قبل إخباره إياهم. وقد جاء هنا ﴿ ومآ آتاكم ﴾ بصيغة العموم.

وقال الشيخ رحمه الله في دفع الإيهام في سورة الأنفال عند قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم

[الأنفال: 24]، ما نصه: وهذه الآية تدل بظاهرها على أن الاستجابة للرسول التي هي طاعته لا تجب إلا إذا دعانا لما يحيينا، ونظيرها قوله تعالى:

ولا يعصينك في معروف

[الممتحنة: 12].

وقد جاء في آيات أخر ما يدل على وجوب اتباعه مطلقا من غير قيد، كقوله: ﴿ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ [الحشر: 7] وقوله:

قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله

[آل عمران: 31] الآية، و

من يطع الرسول فقد أطاع الله

[النساء: 80].

والظاهر: أن وجه الجمع والله تعالى أعلم: أن آيات الإطلاق مبينة أنه صلى الله عليه وسلم لا يدعونا إلا لما يحيينا من خيري الدنيا والآخرة، فالشرط المذكور في قوله:

إذا دعاكم

[الأنفال: 24] متوفر في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمكان عصمته، كما دل عليه قوله تعالى:

وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى

[النجم: 3-4].

والحاصل: أن آية

إذا دعاكم لما يحييكم

[الأنفال: 24] مبينة أنه لا طاعة إلا لمن يدعو إلى ما يرضي الله، وأن الآيات الأخر بينت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو أبدا إلا إلى ذلك، صلوات الله وسلامه عليه.

انتهى.

وقد بينت السنة كذلك حقيقة ومنتهى ما جاء به صلى الله عليه وسلم في قوله:

" ما تركت خيرا يقربكم إلى الله إلا بينته لكم وأمرتكم به، وما تركت شرا يباعدكم عن الله إلا بينته لكم، وحذرتكم منه ونهيتكم عنه ".

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٢٠