أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا
[يونس: 24]. وقوله:
أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها
[الرعد: 41] وقوله
أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ
[الأنبياء: 44].
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في العدوى: أني قلت أتيت أي دهيت، وتغير عليك حسك فتوهمت ما ليس بصحيح صحيحا.
ويقال: أتي فلان بضم الهمزة وكسر التاء إذا أظل عليه العدو، ومنه قولهم: " من مأمنه يؤتي الحذر ". فيكون قوله تعالى: ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾ أخذهم ودهاهم وباغتهم من حيث لم يحتسبوا من قتل كعب بن الأشرف وحصارهم، وقذف الرعب في قلوبهم.
وهناك موقف آخر في سورة البقرة يؤيد ما ذكرناه هنا، وهو قوله تعالى:
ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير
[البقرة: 109].
فقوله تعالى: ﴿ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ وهو في سياق أهل الكتاب، وهم بذاتهم الذين قال فيهم: ﴿ فأتاهم الله ﴾ فيكون، فأتاهم الله هنا هو إتيان أمره تعالى الموعود في بادئ الأمر عند الأمر بالعفو والصفح.
وقد أورد الشيخ رحمه الله عند قوله تعالى: ﴿ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ أن هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق، وقال: والأمر في قوله: ﴿ بأمره ﴾ ، قال بعض العلماء: هو واحد الأوامر، وقال بعضهم: هو واحد الأمور.
فعلى القول الأول بأنه الأمر الذي هو ضد النهي، فإن الأمر المذكور، هو المصرح به في قوله:
قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
[التوبة: 29].
وعلى القول بأن واحد الأمور، فهو ما صرح الله به في الآيات الدالة على ما أوقع باليهود من القتل والتشريد كقوله:
فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم
[الحشر: 2-3] الآية، إلى غير ذلك من الآيات، والآية غير منسوخة على التحقيق. اه [من الجزء الأول من الأضواء].
فقد نص رحمه الله على أن آية: ﴿ فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ مرتبطة بآية: ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾ هذه كما قدمنا: أن هذا هو الأمر الموعود به، وقد أتاهم به من حيث لم يحتسبوا، ويشهد لهذا كله القراءة الثانية فآتاهم بالمد: بمعنى أعطاهم وأنزل بهم، ويكون الفعل متعديا والمفعول محذوف دل عليه قوله ﴿ من حيث لم يحتسبوا ﴾ أي أنزل بهم عقوبة وذلة ومهانة جاءتهم من حيث لم يحتسبوا والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿ وقذف في قلوبهم الرعب ﴾.
منطوقه أن الرعب سبب من أسباب هزيمة اليود، ومفهوم المحالفة يدل على أن العكس بالعكس، أي أن الطمأنينة وهي ضد الرعب، سبب من أسباب النصر، وهو ضد الهزيمة.
وقد جاء ذلك المفهوم مصرحا به في آيات من كتاب الله تعالى، منها قوله تعالى:
لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا
[الفتح: 18]، ومنها قوله تعالى:
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزآء الكافرين
[التوبة: 25-26]، فقد ولوا مدبرين بالهزيمة، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودا من الملائكة فكان النصر لهم، وهزيمة أعدائهم المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ وعذب الذين كفروا ﴾ أي بالقتل والسبي في ذلك اليوم.