تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها قوله تعالى:

إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم

[التوبة: 40].

وهذا الموقف آية من آيات الله، اثنان أعزلان يتحديان قريشا بكاملها، بعددها وعددها، فيخرجان تحت ظلال السيوف، ويدخلان الغار في سدفة الليل، ويأتي الطلب على فم الغار بقلوب حانقة، وسيوف مصلته، وآذان مرهفة حتى يقول الصديق رضي الله عنه: والله يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت نعليه لأبصرنا، فيقول صلى الله عليه وسلم وهو في غاية الطمأنينة، ومنتهى السكينة

" ما بالك باثنين الله ثالثهما "

ومنها، وفي أخطر المواقف في الإسلام، في غزوة بدر، حيثما التقى الحق بالباطل وجها لوجه، جاءت قوى الشر في خيلائها وبطرها وأشرها، وأمامها جند الله في تواضعهم وإيمانهم وضراعتهم إلى الله

إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام

[الأنفال: 9-11].

فما جعل الله الإمداد بالملائكة إلا لتطمئن به قلوبهم، وما غشاهم النعاس إلا أمنة منه، وتم كل ذلك بما ربط على قلوبهم، فقاموا بقلتهم قوى الشر على كثرتهم، وتم النصر من عند الله بمدد من الله، كما ربط على قلوب أهل الكهف:

وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا

[الكهف: 14].

هذه آثار الطمأنينة والسكينة والربط على القلوب المدلول عليه بمفهوم المخالفة من قوله تعالى:

فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين

[الحشر: 2]، وقد جمع الله تعالى الأمرين المنطوق والمفهوم في قوله تعالى:

إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب

[الأنفال: 12] فنص على الطمأنينة بالتثبيت في قوله: ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ ، ونص على الرعب في قوله: ﴿ سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ فكانت الطمأنينة تثبيتا للمؤمنين، والرعب زلزلة للكافرين.

وقد جاء في الحديث أن جبريل عليه السلام. لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى بني قريظة، قال: " إني متقدمكم لأزلزل بهم الأقدام " ، ومما يدل على أسباب هذه الطمأنينة في هذه المواقف قوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين

[الأنفال: 45-46].

فذكر الله تعالى أربعة أسباب للطمأنينة.

الأولى: الثبات، وقد دل عليها قوله تعالى:

إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص

[الصف: 4].

والثانية: ذكر الله كثيرا، وقد دل عليها قوله تعالى:

ألا بذكر الله تطمئن القلوب

[الرعد: 28].

والثالثة: طاعة الله ورسوله، ويدل لها قوله تعالى:

فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف

[محمد: 20-21].

والرابعة: عدم التنازع والاعتصام والألفة، ويدل عليها قوله تعالى:

واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا

[آل عمران: 103].

ومن ذكر أسباب الهزيمة من رعب القلوب، وأسباب النصر من السكينة والطمأنينة، تعلم مدى تأثير الدعايات في الآونة الأخيرة. وما سمي بالحرب الباردة من كلام وإرجاف مما ينبغي الحذر منه أشد الحذر، وقد حذر الله تعالى منه في قوله تعالى:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٠٧