تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأغلبن أنا ورسلي

[المجادلة: 21]، فقد قال بعض العلماء: بأن المراد بهذه الغلبة. الغلبة بالحجة والبيان، والغالب في القرآن استعمال الغلبة بالسيف والسنان، وذلك دليل واضح على دخول تلك الغلبة في الآية، لأن خير ما يبين به القرآن القرآن.

وهنا في هذه الآية، فإن غلبة استعمال القرآن بل عموم استعماله في الحشر إنما هو للجمع، ثم بين المراد بالحشر لأي شيء منها قوله تعالى:

وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير

[النمل: 17]، وقوله:

وحشرنا عليهم كل شيء قبلا

[الأنعام: 111]، وقوله عن نبي الله داود:

والطير محشورة كل له أواب

[ص: 19]، وقوله تعالى عن فرعون:

قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى

[طه: 59]، وقوله تعالى:

قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدآئن حاشرين

[الأعراف: 111]. وقوله:

فحشر فنادى

[النازعات: 23] فكلها بمعنى الجمع.

وإذا استعمل بمعنى يوم القيامة فإنه يأتي مقرونا بما يدل عليه، وهو جميع استعمالات القرآن لهذا، مثل قوله تعالى:

وترى الأرض بارزة وحشرناهم

[الكهف: 47] وذلك في يوم القيامة لبروز الأرض. وقوله تعالى:

يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا

[مريم: 85]، وذلك في يوم القيامة لتقييده باليوم. وقوله تعالى:

يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا

[طه: 102]. وقوله تعالى:

وإذا الوحوش حشرت

[التكوير: 5] وقوله تعالى:

ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون

[فصلت: 19]. إلى غير ذلك مما هو مقيد بما يعين المراد بالحشر، وهو يوم القيامة.

فإذا أطلق كان لمجرد الجمع كما في الأمثلة المتقدمة، وعليه فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿ لأول الحشر ﴾ ، أن الراجح فيه لأول الجمع، وتكون الأولية زمانية وفعلا، فقد كان أول جمع لليهود، وقد أعقبه جمع آخر لإخوانهم بني قريظة بعد عام واحد، وأعقبه جمع آخر في خيبر، وقد قدمنا ربط إخراج بني النضير من ديارهم بإنزال بني قريظة من صياصيهم، وهكذا ربط جمع هؤلاء بأولئك إلا أن هؤلاء أجلوا وأخرجوا، وأولئك قتلوا واسترقوا.

تنبيه

وكون الحشر بمعنى الجمع لا يتنافى مع كون خروجهم كان إلى أوائل الشام، لأن الغرض الأول جمعهم للخروج من المدينة، ثم يتوجهون بعد ذلك إلى الشام أو إلى غيرها.

وقد استدل بعض العلماء على أن توجههم كان إلى الشام من قوله تعالى:

يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا

[النساء: 47]، لأن السياق في أهل الكتاب، والتعريض بأصحاب السبت ألصق بهم.

فقال بعض المفسرين: الوجوه هنا هي سكناهم بالمدينة، وطمسها تغير معالمها، وردهم على أدبارهم. أي إلى بلاد الشام التي جاءوا منها اولا حينما خرجوا من الشام إلى المدينة، انتظارا لمحمد صلى الله عليه وسلم. حكاه أبو حيان وحسنه الزمخشري.

قوله تعالى: ﴿ فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾.

أتى: تأتي لعدة معان، منها بمعنى المجيء، ومنها بمعنى الإنذار، ومنها بمعنى المداهمة.

وقد توهم الرازي أنها من باب الصفات، فقال: المسألة الثانية قوله: ﴿ فأتاهم الله ﴾ ، لا يمكنهم إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء، فدل على أن باب التأويل مفتوح، وإن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز اه.

وهذا منه على مبدئه في تأويل آيات الصفات، ويكفي لرده أنه مبني على متقضى الدلائل العقلية، ومعلوم أن العقل لا مدخل له في باب صفات الله تعالى، لأنها فوق مستويات العقول:

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

[الشورى: 11] ولا يحيطون به علما سبحانه وتعالى.

أما معنى الآية، فإن سياق القرآن يدل على أن مثل هذا السياق ليس من باب الصفات كما في قوله تعالى:

فأتى الله بنيانهم من القواعد

[النحل: 26]، أي هدمه واقتلعه من قواعده، ونظيره:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢٠٥