أولا: لصريح قوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم
[الإسراء: 44].
ثانيا: أن الحامل لهم على القول بتسبيح الدلالة، هو تحكيم الحس والعقل، حينما لم يشاهدوا ذلك ولم تتصوره العقول، ولكن الله تعالى نفى تحكيم العقل الحسي هنا، وخطر على العقل بقوله تعالى:
ولكن لا تفقهون تسبيحهم
[الإسراء: 44].
ثالثا: قوله تعالى في حق نبي الله داود عليه السلام:
وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير
[الأنبياء: 79]. وقوله تعالى:
إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق
[ص: 18]، فلو كان تسبيحها معه تسبيح دلالة كما يقولون، لما كان لداود عليه السلام خصوصية على غيره.
رابعا: أخبر الله تعالى أن لهذه العوالم كلها إدراكا تاما كإدراك الإنسان أو أشد منه، قال تعالى عن السماوات والأرض والجبال:
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]، فأثبت تعالى لهذه العوالم إدراكا وإشفاقا من تحمل الأمانة، بينما سجل على الإنسان ظلما وجهالة في تحمله إياها، ولم يكن هذا العرض مجرد تسخير، ولا هذا الإباء مجرد سلبية، بل عن إدراك تام، كما في قوله تعالى:
ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين
[فصلت: 11]، فهما طائعين لله، وهما يأبين أن يحملن الأمانة إشفاقا منها.
وفي أواخر هذه السورة الكريمة سورة الحشر، قوله تعالى:
لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله
[الحشر: 21] ومثله قوله تعالى:
ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها لما يهبط من خشية الله
[البقرة: 74] وهذا هو عين الإدراك أشد من إدراك الإنسان.
وفي الحديث:
" لا يسمع صوت المؤذن من حجر ولا مدر ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة "
فبم سيشهد إن لم يك مدركا الأذان والمؤذن.
وعن إدراك الطير، قال تعالى عن الهدهد يخاطب نبي الله سليمان:
أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون
[النمل: 22-24].
ففي هذا السياق عشر قضايا يدركها الهدهد ويفصح عنها لنبي الله سليمان.
الأولى: إدراكه أنه أحاط بما لم يكن في علم سليمان.
الثانية: معرفته لسبإ بعينها دون غيرها، ومجيؤه منها بنبأ يقين لا شك فيه.
الثالثة: معرفته لتولية المرأة عليهم مع إنكاره ذلك عليهم.
الرابعة: إدراكه ما أوتيته سبأ من متاع الدنيا من كل شيء.
الخامسة: أن لها عرشا عظيما.
السادسة: إدراكه ما هم عليه من السجود للشمس من دون الله.
السابعة: إدراكه أن هذا شرك بالله تعالى.
الثامنة: أن هذا من تزيين الشيطان لهم أعمالهم.
التاسعة: أن هذا ضلال عن السبيل القويم.
العاشرة: أنهم لا يهتدون.
وقد اقتنع سليمان بإدراك الهدهد لهذا كله فقال له:
سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين
[النمل: 27].
وسلمه رسالة، وبعثه سفيرا إلى بلقيس وقومها:
اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون
[النمل: 28] وكانت سفارة موفقة جاءت بهم مسلمين في قوله تعالى عنها:
وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين
[النمل: 44].
وكذلك ما جاء عن النملة في قوله تعالى عنها:
حتى إذآ أتوا على وادي النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
[النمل: 18] فقد أدركت مجيء الجيش، وأنه لسليمان وجنوده وأدركت كثرتهم، وأن عليها وعلى النمل أن يتجنبوا الطريق.
ويدخلوا مساكنهم، وهذا الإدراك منها جعل سليمان عليه السلام يتبسم ضاحكا من قولها. وأن لها قولا علمه سليمان عليه السلام.