تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أسرب القطا هل من يعير جناحه؟

لعلي إلى من قد هويت أطير

وبهذا شمل إسناد التسبيح لكل شيء في نطاق السماوات والأرض، عاقل وغير عاقل. وقد أكد هذا الشمول بصريح قوله تعالى:

وإن من شيء إلا يسبح بحمده

[الإسراء: 44]، وكلمة " شيء " أعم العمومات، كما في قوله تعالى:

الله خالق كل شيء

[الزمر: 62]، فشملت السماوات والأرض والملائكة والإنس والجن والطير والحيوان والنبات والشجر والمدر، وكل مخلوق لله تعالى.

وقد جاء في القرآن الكريم، والسنة المطهرة إثبات التسبيح من كل ذلك كل على حدة.

أولا: تسبيح الله تعالى نفسه:

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا

[الإسراء: 1]،

فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون

[الروم: 17-18]

لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون

[الأنبياء:22] ثانيا: تسبيح الملائكة

وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك

[البقرة: 30] وقوله:

وترى الملائكة حآفين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم

[الزمر: 75]. و

يسبحون الليل والنهار لا يفترون

[الأنبياء: 20].

ثالثا: تسبيح الرعد:

ويسبح الرعد بحمده

[الرعد: 13].

رابعا: تسبيح السماوات السبع والأرض،

تسبح له السماوات السبع والأرض

[الإسراء: 44].

خامسا: تسبيح الجبال:

إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق

[ص: 18].

سادسا: تسبيح الطير:

وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير

[الأنبياء: 79].

سابعا: تسبيح الإنسان:

فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين

[الحجر: 98]،

فسبح باسم ربك العظيم

[الواقعة: 74]،

فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا

[مريم: 11].

فهذا إسناد التسبيح صراحة لكل هذه العوالم مفصلة ومبينة واضحة.

وجاء مثل التسبيح، ونظيره وهو السجود مسندا لعوالم أخرى وهي بقية ما في هذا الكون من أجناس وأصناف في قوله تعالى:

ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس

[الحج: 18].

ويلاحظ هنا أنه تعالى أسند السجود أولا لمن في السماوات ومن في الأرض و " من " هي للعقلاء، أي الملائكة والإنس والجن، ثم عطف على العقلاء غير العقلاء بأسمائهن من الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، فهذا شمول لم يبق كائن من الكائنات ولا ذرة في فلاة إلا شمله.

وبعد بيان هذا الشمول والعموم، يأتي مبحث العام الباقي على عمومه، والعام المخصوص، وهل عموم " ما " هنا باق على عمومه أم دخله تخصيص؟

قال جماعة من العلماء منهم ابن عباس، إن العموم باق على عمومه، وإن لفظ التسبيح محمول على حقيقته في التنزيه والتحميد.

وقال قوم: إن العموم باق على عمومه لم يدخله خصوص، ولكن التسبيح يختلف، ولكل تسبيح بحسبه، فمن العقلاء بالذكر والتحميد والتمجيد كالإنسان والملائكة والجن، ومن غير العاقل سواء الحيوان والطير والنبات والجماد، فيكون بالدلالة بأن يشهد على نفسه، ويدل على أن الله تعالى خالق قادر.

وقال قوم: قد دخله التخصيص.

ونقل القرطبي عن عكرمة، قال: الشجرة تسبح والأسطوان لا يسبح. وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرة. ويريد أن التسبيح من الحي أو النامي سواء الحيوان أو النبات وما عداه فلا. وقال القرطبي: ويستدل لهذا القول من السنة بما ثبت عن أبي عباس رضي الله عنهما من وضع الجريد الأخضر على القبر، وقوله صلى الله عليه وسلم فيه:

" لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا "

أي بسبب تسبيحهما، فإذا يبسا انقطع تسبيحهما اه.

والصحيح من هذا كله الأول الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وهو الذي يشهد له القرآن الكريم لعدة أمور:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٩٩