فقد جاء في السنة إثبات إدراك الحيوانات للمغيبات فضلا عن المشاهدات، كام في حديث الموطأ في فصل يوم الجمعة:
" وإن فيه خلق آدم، وفيه أسكن الجنة "
إلى قوله صلى الله عليه وسلم
" وفيه تقوم الساعة، وما من دابة في الأرض إلى وهي تصيح بأذنها من فجر يوم الجمعة حتى طلوع الشمس إشفاقا من الساعة إلا الجن والإنس "
، فهذا إدراك وإشفاق من الحيوان، وإيمان بالمغيب، وهو قيام الساعة وإشفاق من الساعة أشد من الإنسان.
وقصة الجمل الذي ند على أهله وخضع له صلى الله عليه وسلم حتى قال الصديق: لكأنه يعلم إنك رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم:
" نعم إنه ما بين لابتيها إلا وهو يعلم أني رسول الله "
فهذا كله يثبت إدراكا للحيوان بالمحسوس وبالغيب إدراكا لا يقل عن إدراك الإنسان، فما المانع من إثبات تسبيحها حقيقة على ما يعلمه الله تعالى منها؟ وقد جاء النص صريحا في التسبيح المثبت لها في أنه تسبيح تحميد لا مطلق دلالة كما في قوله تعالى:
ويسبح الرعد بحمده
[الرعد: 13]، وقرنه مع تسبيح الملائكة،
والملائكة من خيفته
[الرعد: 13] وهذا نص في محل النزاع، وإثبات لنوع التسبيح المطلوب.
خامسا: لقد شهد المسلمون منطق الجماد بالتسبيح وسمعوه بالتحميد حسا كتسبيح الحصا في كفه صلى الله عليه وسلم، وكحنين الجذع للنبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعه كل من في المسجد، وما أخبر به صلى الله عليه وسلم:
" إني لأعلم حجرا في مكة ما مررت عليه إلا وسلم علي "
، وما ثبت بفرد يثبت لبقية أفراد جنسه، كما هو معلوم في قاعدة الواحد بالجنس والواحد بالنوع.
ومن هذا القبيل في أعظم من ذلك ما رواه البخاري في كتاب المناقب عن أنس رضي الله عنه
" أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: " أثبت أحد فإن عليك نبيا وصديقا وشهيدين "
وفي موطأ مالك: لما رجع صلى الله عليه وسلم من سفر طلع عليهم أحد فقال
" هذا جبل يحبنا ونحبه "
فهذا جبل من كبار جبال المدينة يرتجف لصعود النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فيخاطبه صلى الله عليه وسلم خطاب العاقل المدرك:
" أثبت أحد فإن عليك نبيا وصديقا وشهيدين "
، فيعرف النبي ويعرف الصديق والشهيد فيثبت، فبأي قانون كان ارتجافه؟ وبأي معقول كان خطابه؟ وبأي معنى كان ثبوته؟ ثم ها هو يثبت له صلى الله عليه وسلم المحبة المتبادرة بقوله: يحبنا ونحبه.
وإذا ناقشنا أقوال القائلين بتخصيص هذا العموم من إثبات التسبيح للجمادات ونحوها، لما وجدنا لهم وجهة نظر إلا أن الحس لم يشهد شيئا من ذلك، وقد أوردنا الأمثلة على إثبات ذلك لسائر الأجناس، وتقدم تنبيه الشيخ على تأكيد ذلك بقوله تعالى:
وكنا فاعلين
[الأنبياء: 79] ردا على استبعاده.
ومن الأدلة القرآنية في هذا المقام، ما جاء في سياق قوله تعالى:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44]، جاء بعدها قوله تعالى:
وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا
[الإسراء: 45] وهذا نص يكذب المستدلين بالحس.
لأن الله تعالى أخبر بأنه جعل بين الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة، وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا يحجبه عنهم، وهذا الحجاب مستور عن أعينهم فلا يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه محجوب عنهم، ولا يرون الحجاب لأنه مستور، وهذا هو الصحيح في هذه الآية.
وقد قال فيها بعض البلاغيين. إن مستورا هنا بمعنى ساترا ويقال لهم: إن جعل مستورا بمعنى ساتر تكرار لمعنى حجاب، لأن قوله تعالى:
جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا
[الإسراء: 45] هو بمعنى ساتر، أي يستره عن الذين لا يؤمنون بالآخرة وليس في ذلك زيادة معنى، ولا كبير معجزة، ولكن الإعجاز في كون الحجاب مستورا عن أعينهم، وفي هذا تحقيق وجود المعنيين، وهما حجبه صلى الله عليه وسلم عنهم، وستر الحجاب عن أعينهم، وهذا أبلغ في حفظه صلى الله عليه وسلم منهم، لأنه لو كان الحجاب مرئيا أي ساترا فقط مع كونه مرئيا لربما اقتحموه عليه، وأقوى في الإعجاز، لأنه لو كان الحجاب مرئيا لكان كاحتجاب غيره من سائر الناس. ولكن حقيقة الإعجاز فيه هو كونه مستورا عن أعينهم، وهذا ما رجحه ابن جرير.