هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا
[البقرة: 29]. وقوله
والأرض وضعها للأنام
[الرحمن: 10] الآية.
وإن كان فيها ضرر لا يشوبه نفع فهي على التحريم لقوله صلى الله عليه وسلم:
" لا ضرر ولا ضرار "
وإن كان فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى فلها ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون النفع أرجح من الضرر.
والثانية: عكس هذا.
والثالثة: أن يتساوى الأمران.
فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويا له فالمنع لحديث
" لا ضرر ولا ضرار "
ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وإن كان النفع أرجح، فالأظهر الجواز، لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة، كما أشار في مراقي السعود بقوله:
وألغ إن يك الفساد أبعدا
أو رجح الإصلاح كالأسارا
تفدى بما ينفع للنصارا
وانظر تدلي دولي العنب
في كل مشرق وكل مغرب
ومراده: تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، أو البعيدة ممثلا له بمثالين:
الأول منها: أن تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة قدمت على المفسدة المرجوحة، التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداء للأسارى.
الثاني: أن انتفاع الناس بالعنب والزبيب، مصلحة راجحة على مفسدة عصرالخمر من العنب، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضررعصر الخمر منه، لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة، وهذا التفصيل الذي اخترنا، قد أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
والحكم ما به يجيء الشرع
وأصل كل ما يضر المنع
تنبيه
اعلم أن علماء الأصول يقولون: إن الإنسان لا يحرم عليه فعل شيء إلا بدليل من الشرع، ويقولون إن الدليل على ذلك عقلي، وهو البراءة الأصلية المعروفة بالإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه.
ونحن نقول: إنه قد دلت آيات من كتاب الله على أن استصحاب العدم الأصلي قبل ورود الدليل الناقل عنه حجة في الإباحة، ومن ذلك أن الله لما أنزل تشديده في تحريم الربا في قوله تعالى
فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله
[البقرة: 279] الآية، وكانت وقت نزولها عندهم أموال مكتسبة من الربا، اكتسبوها قبل نزول التحريم، بين الله تعالى لهم أن ما فعلوه من الربا، على البراءة الأصلية قبل نزول التحريم لا حرج عليهم فيه، إذ لا تحريم إلا ببيان، وذلك في قوله تعالى:
فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف
[البقرة: 275] وقوله: ما سلف أي ما مضى قبل نزول التحريم، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى:
ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما قد سلف
[النساء: 22] وقوله تعالى
وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف
[النساء: 23] والأظهر أن الاستثناء فيهما في قوله: ﴿ إلا ما قد سلف ﴾. منقطع أي لكن ما سلف من ذلك قبل نزول التحريم، فهو عفو، لأنه على البراءة الأصلية.
ومن أصرح الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى:
وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون
[التوبة: 115] لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استغفر لعمه أبي طالب بعد موته على الشرك، واستغفر المسلمون لموتاهم المشركين عاتبهم الله في قوله
ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى
[التوبة: 113] الآية. ندموا على الاستغفار لهم، فبين الله لهم أن استغفارهم لهم لا مؤاخذة به، لأنه وقع قبل بيان منعه، وهذا صريح فيما ذكرنا.
وقد قدمنا أن الأخذ بالبراءة الأصلية يعذر به في الأصول أيضا في الكلام على قوله تعالى:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
[الإسراء: 15] وبينا هناك كلام أهل العلم في ذلك، وأوضحنا ما جاء في ذلك من الآيات القرآنية. والعلم عند الله تعالى.