تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيتعين على هذه القرءاة أن المراد بالعصف ما تأكله الأنعام من ورق وتبن، والمراد بالريحان ما يأكله الناس من نفس الحب، فالآية على هذا المعنى كقوله

متاعا لكم ولأنعامكم

[النازعات: 33] وقوله تعالى:

فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم

[السجدة: 27]. وقوله تعالى

فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم

[طه: 53-54] وقوله تعالى:

لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون

[النحل: 10-11] الآية.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ فيها فاكهة ﴾ ما ذكره تعالى فيه من الامتنان بالفاكهة التي هي أنواع، حاء موضحا في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في سورة الفلاح

لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون

[المؤمنون: 19] وقوله تعالى:

وفاكهة وأبا

[عبس: 31] إلى غير ذلك من الآيات.

وما ذكره هنا من الامتنان بالحب جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى:

فأنبتنا به جنات وحب الحصيد

[ق: 9]، وقوله تعالى:

فأنبتنا فيها حبا وعنبا

[عبس: 27-28] وقوله تعالى:

وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون

[يس: 33]، وقوله تعالى:

نخرج منه حبا متراكبا

[الأنعام: 99] الآية. وقوله تعالى:

إن الله فالق الحب والنوى

[الأنعام: 95] إلى غير ذلك من الآيات.

وما ذكره تعالى هنا من الامتنان بالنحل، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى:

والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد

[ق: 10-11]، وقوله تعالى:

فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب

[المؤمنون: 19] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.

وما ذكره هنا من الامتنان بالريحان، على أنه الرزق كما في قراءة حمزة والكسائي، جاء موضحا في آيات كثيرة أيضا كقوله تعالى:

هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السمآء رزقا

[غافر: 13] وقوله تعالى:

قل من يرزقكم من السمآء والأرض

[يونس: 31] الآية، وقوله تعالى:

أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه

[الملك: 21] وقوله تعالى:

وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات

[غافر: 64] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.

مسألة

أخذ بعض علماء الأصول من هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات كقوله تعالى: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ﴾ أن الأصل فيما على الأرض الإباحة، حتى يرد دليل خاص بالمنع، لأن الله امتن على الأنام بأنه وضع لهم الأرض، وجعل لهم فيها أرزاقهم من القوت والتفكه في آية الرحمن هذه، وامتن عليهم بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعا في قول

هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا

[البقرة: 29].

ومعلوم أنه جل وعلا لا يمتن بحرام إذ لا منة في شيء محرم، واستدلوا لذلك أيضا بحصر المحرمات في أشياء معينة في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى:

قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير

[الانعام: 145] وقوله تعالى:

قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن

[الأعراف: 33] الآية. وقوله تعالى:

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم

[الأنعام: 151] الآية.

وفي هذه المسألة قولان آخران.

أحدهما: أن الأصل فيما على الأرض التحريم حتى يدل دليل على الإباحة، واحتجوا لهذا بأن جميع الأشياء مملوكة لله جل وعلا، والأصل في ملك الغير منع التصرف فيه إلا بإذنه، وفي هذا مناقشات معروفة في الأصول، ليس هذا محل بسطها.

القول الثاني: هو الوقف وعدم الحكم فيها بمنع ولا إباحة حتى يقوم الدليل، فتحصل أن في المسألة ثلاثة مذاهب: المنع، والإباحة، والوقف.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي صوابه في هذه المسألة هو التفصيل، لأن الأعيان التي خلقها الله في الأرض للناس بها ثلاث حالات:

الأول: أن يكون فيها نفع لا يشوبه ضرر كأنواع الفواكه وغيرها.

الثانية: أن يكون فيها ضرر لا يشوبه نفع كأكل الأعشاب السامة القاتلة.

الثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى، فإن كان فيها نفع لا يشوبه ضررن فالتحقيق حملها على الإباحة حتى يقوم دليل على خلاف ذلك لعموم قوله:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٥٦