تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53.32

قوله تعالى: ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ﴾.

قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى:

والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون

[الشورى: 37].

قوله تعالى: ﴿ إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم ﴾.

قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى:

ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشآء

[النساء: 49]، وفي غير ذلك من المواضع.

53.33-41

قوله ﴿ تولى ﴾: أي رجع وأدبر عن الحق. وقوله: ﴿ وأعطى قليلا ﴾ ، قال بعضهم قليلا من المال. وقال بعضهم: أعطى قليلا من الكلام الطيب. وقوله: ﴿ وأكدى ﴾ أي قطع ذلك العطاء ولم يتمه، وأصله من أكدى صاحب الحفر. إذا انتهى في حفره إلى صخرة لا يقدر على الحفر فيها، وأصله من الكدية وهي الحجارة تعترض حافر البئر ونحوه فتمنعه الحفر، وهذا الذي أعطى قليلا وأكدى، اختلف فيه العلماء، فقيل هو الوليد بن المغيرة قارب أن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فعيره بعض المشركين، فقال: أرتكت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي غيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه ثمامة. فأنزل الله عز وجل الآية.

وعلى هذا فقوله: ﴿ تولى ﴾: أي الوليد عن الإسلام بعد أن قارب، وأعطى قليلا من المال للذي ضمن له أن يتحمل عنه ذنوبه. ﴿ وأكدى ﴾: أي بخل عليه بالباقي، وقيل أعطى قليلا من الكلام الطيب كمدحه للقرآن، واعترافه بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأكدى أي انقطع عن ذلك ورجع عنه. وقيل: هو العاص بن وائل السهمي، كان ربما وافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور، وذلك هو معنى إعطائه القليل ثم انقطع عن ذلك، وهو معنى إكدائه، وهذا قول السدي ولم ينسجم مع قوله بعده: ﴿ أعنده علم الغيب ﴾ الآية.

وعن محمد بن كعب القرظي أنه أبو جهل، قال: والله ما يأمرنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا بمكارم الأخلاق، وذلك معنى إعطائه قليلا، وقطعه لذلك معروف.

واقتصر الزمخشري على أنه عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: روي أن عثمان بن عفان كان يعطي ماله في الخير فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أخوه من الرضاعة: يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن العطاء فنزلت الآية.

ومعنى تولى ترك المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل. انتهى منه.

ولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه، وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة سبعة أمور:

الأول: إنكار علم الغيب المدلول عليه بالهمزة في قوله: ﴿ أعنده علم الغيب ﴾ والمراد نفي علمه للغيب.

الثاني: أن لكل من إبراهيم وموسى صحفا لم ينبأ بما فيها هذا الكافر.

الثالث: أن إبراهيم وفى أي أتم القيامة بالتكاليف التي كلفه ربه بها.

والرابع: أن في تلك الصحف، أنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

الخامس: أن فيها أيضا أنه ليس للإنسان إلا ما سعى.

السادس: أن سعيه سوف يرى.

السابع: أنه يجزاه جزاء الأوفى، أي الأكل الأتم.

وهذه الأمور السبعة قد جاءت كلها موضحة في غير هذا الموضع.

أما الأول منها، وهو عدم علمهم الغيب، فقد ذكره تعالى في مواضع كثيرة كقوله تعالى:

أم عندهم الغيب فهم يكتبون

[الطور: 41 والقلم: 47]. وقوله:

أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا

[مريم: 78]. وقوله

وما كان الله ليطلعكم على الغيب

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٣٨