[آل عمران: 179] وقوله تعالى:
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول
[الجن: 26-27] وقوله تعالى:
قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله
[النمل: 65] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مرارا.
والثاني: الذي هو أن لإبراهيم وموسى صحفا لم يكن هذا المتولي المعطي قليلا المكدي عالما بها، ذكره تعالى في قوله:
إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى
[الأعلى: 18-19].
والثالث: منها وهو إبراهيم وفي تكاليفه، فقد ذكره تعالى في قوله:
وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن
[البقرة: 124]، وقد قدمنا أن الأصح في الكلمات التي ابتلى بها أنها التكاليف.
وأما الرابع منها: وهو أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فقد ذكره تعالى في آيات من كتابه كقوله تعالى:
وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون
[العنكبوت: 12] وقوله تعالى
ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى
[فاطر: 18].
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا، والجواب عما يرد عليها من الإشكال، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:
ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
[الإسراء: 15] وذكرنا وجه الجمع بين الآيات الواردة في ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:
ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون
[النحل: 25].
وأما الخامس منها: وهو أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، فقد جاء موضحا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى:
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها
[الإسراء: 7] الآية. وقوله:
من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها
[فصلت: 46] الآية وقوله:
ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون
[الروم: 44] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ يدل على أن الإنسان لا يستحق أجرا إلا على ما سعيه بنفسه، ولم تتعرض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات، لأن قوله: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ قد دلت اللام فيه على أنه لا يستحق ولا يملك شيئا إلا بسعيه، ولم تتعرض لنفي الانتفاع بما ليس ملكا له ولا مستحقا له.
وقد جاءت آية من كتاب الله تدل على أن الإنسان قد ينتفع بسعي غيره وهي قوله تعالى
والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم من شيء
[الطور: 21].
وقد أوضحنا وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ وبين قوله: ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ﴾ الآية. في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة النجم، وقلنا فيه ما نصه والجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره، لأنه لم يقل: وأن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى، وإنما قال وأن ليس للإنسان، وبين الأمرين فرق ظاهر، لأن سعي الغير ملك لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإن شاء أبقاه لنفسه.
وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك ما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه.
الثاني: أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم، إذ لو كانوا كفارا لما حصل لهم ذلك. فإيمان العبد وطاعته سعي منه في انتفاعه بعمل غيره من المسلمين، كما وقع في الصلاة في الجماعة، فإن صلاة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفردا، وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في االجماعة، وهذا الوجه يشير إليه قوله تعالى: ﴿ واتبعتهم ذريتهم بإيمان ﴾.
الثالث: أن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد ليس للأولاد كما هو نص قوله تعالى: ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ [النجم: 39] ولكن من سعي الآباء فهو سعي للآباء أقر الله عيونهم بسببه، بأن رفع إليهم أولادهم ليتمتعوا في الجنة برؤيتهم.