تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

52.24

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة يطوف عليهم غلمان جمع غلام، أي خدم لهم، وقد قدمنا إطلاقات الغلام وشواهدها العربية في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى:

قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم

[الحجر: 53].

ولم يبين هنا ما يطوفون عليهم به، وذكر هنا حسنهم بقوله ﴿ كأنهم لؤلؤ مكنون ﴾ في أصدافه، لأن ذلك أبلغ في صفائه وحسنه، وقيل: مكنون أي مخزون لنفاسته، لأن النفيس هو الذي يخزن ويكن.

وبين تعالى في الواقعة بعض ما يطوفون عليهم به في قوله

يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين

[الواقعة: 17-18]. وزاد في هذه الآية كونهم مخلدين، وذكر بعض ما يطاف عليهم به في قوله:

يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب

[الزخرف: 71]. وقوله تعالى:

ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا

[الإنسان: 15-16].

والظاهر أن الفاعل المحذوف في قوله: ﴿ ويطاف عليهم ﴾ في آية الزخرف والإنسان المذكورتين هو الغلمان المذكورون في الطور والواقعة، وذكر بعض صفات هؤلاء الغلمان في الإنسان في قوله تعالى:

ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا

[الإنسان: 19].

52.26-27

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا، وأن المسؤول عنهم يقول للسائل: ﴿ إنا كنا قبل ﴾ ، أي في دار الدنيا ﴿ في أهلنا مشفقين ﴾ أي خائفين من عذاب الله، ونحن بين أهلنا أحياء فمن الله علينا أي أكرمنا، وتفضل علينا بسبب الخوف منه في دار الدنيا فهدانا، ووفقنا في الدنيا ووقانا في الآخرة عذاب السموم، والسموم النار ولفحها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع سمائم. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

أنامل لم تضرب على البهم بالضحى

بهن ووجه لم تلحه السمائم

وقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، ومنه قول الراجز:

اليوم يوم بارد سمومه

من جزع اليوم فلا ألومه

الفاء في قوله: ﴿ فمن الله علينا ﴾ ، تدل على أن علة ذلك هي الخوف من الله في دار الدنيا، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب الله في دار الدنيا، سبب للسلامة منه في الآخرة، يفهم من دليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته أن من لم يخف من عذاب الله في الدنيا لم ينج منه في الآخرة.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها جاء موضحا في غير هذا الموضع. فذكر تعالى أن السرور في الدنيا وعدم الخوف من الله سبب العذاب يوم القيامة، وذلك في قوله

وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن يحور

[الإنشقاق: 10-14] الآية.

وقد تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه أن إن المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله:

إنه كان في أهله مسرورا

[الإنشقاق: 13] علة لقوله:

فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا

[الإنشقاق: 12-13].

والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشفق ولا خائف، ويؤيد ذلك قوله بعده:

إنه ظن أن لن يحور

[الإنشقاق: 14] لأن معناه، ظن ألن يرجع إلى الله حيا يوم القيامة، ولا شك أن من ظن أنه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقا في أهله خوفا من العذاب، لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء، وكون لن يحور، بمعنى لن يرجع معروف في كلام العرب، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:

أليلتنا بذي حسم أنيري

إذا أنت انقضيت فلا تحوري

فقوله: فلا تحوري، أي فلا ترجعي.

وقول لبيد بن ربيعة العامري:

وما المرء إلا كالشهاب وضوئه

يجور رمادا بعد ما هو ساطع

أي يرجع رمادا، وقيل: يصير، والمعنى واحد. وقوله تعالى:

وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٢٩