وقال في المغني: وليس في هذا اختلاف نعلمه، وأما إن كان التي وطئها ليلا زمن الصوم هي الزوجة المظاهر منها، فقد اختلف في ذلك أهل العلم: فقال بعضهم: ينقطع التتابع بذلك ويلزمه استئناف الشهرين. وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنهما.
وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإن أصابها في ليال الصوم أفسد ما مضى من صيامه وابتدأ الشهرين، ما نصه: وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، لأن الله تعالى قال:
فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا
[المجادلة: 4] فأمر بهما خاليين عن وطء، ولم يأت على ما أمر، فلم يجزئه، كما لو وطئ نهارا ولأنه تحريم للوطء لا يختص بالنهار فاستوى فيه الليل والنهار كالاعتكاف.
وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا ويبني، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها، ولأن التتابع في الصيام عبارة عن إتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق، وإن وطء ليلا، وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطئ قبل الشهرين، أو وطئ ليلة أول الشهرين، وأصبح صائما، والإتيان بالصوم قبل التماس في حق هذا لا سبيل إليه، سواء بني أو استأنف. انتهى محل الغرض من كلام صاحب المغني، وممن قال بهذا القول: أبو يوسف.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الأخير الذي هو عدم انقطاع التتابع بجماعه للمظاهر منها في ليال الصوم هو الأظهر عندي. لأن الصوم فيه مطابق لمنطوق الآية في التتابع، لأن الله تعالى قال:
فصيام شهرين متتابعين
[المجادلة: 4]، وهذا قد صام شهرين متتابعين، ولم يفصل بين يومين منهما بفاصل، فالتتابع المنصوص عليه واقع قطعا كما ترى، وكون صومهما متتابعين قبل المسيس واجب بقوله تعالى:
من قبل أن يتمآسا
[المجادلة: 4] لا يظهر أنه يبطل حكم التتابع الواقع بالفعل، ومما يوضحه ما ذكرنا آنفا في كلام صاحب المغني من أنه لو جامعها قبل شروعه في صوم الشهرين، ثم صامهما متتابعين بعد ذلك، فلا يبطل حكم التتابع بالوطء قبل الشروع في الصوم، ولا يقتضي قوله تعالى: من قبل أن يتماسا بطلانه. والعلم عند الله تعالى.
الفرع العاشر: اعلم أنه إن جامع المظاهر منها في نهار صوم الكفارة ناسيا. فقد اختلف أهل العلم هل يعذر بالنسيان فلا ينقطع حكم التتابع أو لا يعذر به ويلزمه الاستئناف، فقال بعضهم: لا يعذر بالنسيان، وينقطع التتابع بوطئه ناسيا وهذا مذهب مالكن وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عند أحمد، ومن حجتهم: أن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان وقال بعضهم: يعذر بالنسيان، ولا ينقطع حكم التتابع بوطئه ناسيا وهو قول الشافعي، وأبي ثور وابن المنذر، قالوا: لأنه فعل المفطر ناسيا، فأشبه ما لو أكل ناسيا.
اه.
وهذا القول له وجه قوي من النظر، لأن الله تعالى يقول:
وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم
[الأحزاب: 5] الآية، وقد قدمنا من حديث ابن عباس، وأبي هريرة في صحيح مسلم
" أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا ﴾ [البقرة: 286] قال الله تعالى: نعم قد فعلت ".
الفرع الحادي عشر: إن أبيح له الفطر لعذر يقتضي ذلك، وقلنا إن فطر العذر لا يقطع حكم التتابع فوطئ غيرها نهارا لم ينقطع التتابع، لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع، لأن أصل الإفطار لسبب غيره، وإن كانت الموطوءة نهارا هي المظاهر منها جرى على حكم وطئها ليلا، وقد تكلمنا عليه قريبا، قال ذلك صاحب المغني، ووجهه ظاهر، وقال أيضا؛ وإن لمس المظاهر منها أو باشرها فيما دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع لإخلاله بموالاة الصيام، وإلا فلا يقطع والله تعالى أعلم. اه. ووجهه ظاهر أيضا.